الأربعاء، 21 أكتوبر 2015

في عمله المسرحي الجديد: توفيق الجبالي يسحب البساط من تحت أقدام تابعة الجهل والتفاهة والقشور

خمس حقائب! خمس حقائب تكفي وفق المسرحي توفيق الجبالي لجمع مضامين الثورة وأحداثها... وإذا ما جمّعنا «أدباش» الثورة ورحّلناها بعيدا عنا، فكيف تكون حالة المجتمع الذي نعيش فيه؟ وماهو المآل الذي ينتظر جسدا يشكو عللا وأمراضا عديدة؟
يرفع الجبالي في عمله المسرحي الجديد «التابعة» الغطاء عن القدر التونسي فتفوح منه روائح مميزة لشعب تعلّق بالقشور وتفنن في استنباط أشكال جديدة لها وان بدا منفتحا ومقبلا على الحياة.. فالكل يقضي وقته ويستنزف طاقته في «القيل والقال» وفي الحكايات التي لا معنى لها، كأن تبقى في عرس حتى موعد التعليلة أو تنسحب قبل ذلك؟ وفي التعليق على جرائم المدينة وعنفها اليومي، وفي حديث «منكر ونكير» و«بول البعير»، وفي التراشق بالمخجل من التهم. وأمّا المثقف، فهو يعيش في برجه العالي في قطيعة مع مجتمعه، يهذي بماركيز وبمفاهيم الموت والكتابة، عاجزا عن التواصل مع محيطه وعن نشر قيم المعرفة والتفكير والسؤال.
ومن خلال القطيعة الحاصلة بين عامة الناس الذين فقدوا عقارب توازنهم وبين المثقف المعزول، تبرز النظرة النقدية التي يلقيها الجبالي على المجتمع التونسي، فمن جهة هناك «عامة» مسربلون بالقشور وبالتفاهات وبضيق الآفاق، ومن جهة أخرى «خاصة» مثقفون يسبحون في بحيرات العزلة والانكسار...
في مشهد «جيومتري ـ موسيقي» مميز، تقرع الدربوكة بقوة في لحن شرقي راقص، في محاولة لتزويق المشهد الموبوء ولإخفاء إخلالاته، فتطفو -عكس المنتظر- التشوهات والتناقضات على السطح، بين أوجاع داخلية محليّة ونفاق إيقاع لحن شرقي أنيق.
ثم تتتالى الإيحاءات الساخرة، فيُدرك المتفرج أنّ المجتمع الذي نعيش فيه مريض بسطحيته وبعدم وعيه بحقوق الإنسان، وبجموده الفكري الرافض للاجتهاد، وبالقطيعة الحاصلة بين عامة الناس والمثقفين. فما الذي يمكن أن ننتظره من هذا المجتمع؟ وهل محكوم عليه بالاضمحلال أم هناك امكانية لحياة جديدة مغايرة؟
لقراءة المستقبل، ينكب الممثلون في مشهد غريب من نوعه، لا على فناجين القهوة بل على أوعية بلاستيكية ـ عادة ما نستعملها في بيوت الحمام- في مسعى فاشل لإستبيان خطوط الهمّ الذي يغمرنا، وكأنّ بتوفيق الجبالي يتساءل -ساخرا- عما يمكن أن نستقرئه من «الخراء»؟
تتعالى أفكار الجبالي بحزن ممزوج بالحنين وبنظرة ثاقبة لا تقبل المساومة، فالحال لا تطاق ومنطق «دزان النح» لا يُرجى منه أيّ خير..
تنسدل حينها ستائر بيضاء -شكلت الديكور الأساسي لمسرحية «التابعة»- على الركح لتقلب في خطوة أولى موازين عمل الجبالي الجديد على المستوى الإخراجي، ويطلّ من بينها ثلاثة ممثلين ليصدحوا بصوت واحد: «لاباس.. لاباس.. أحنا لاباس» ثم يُديرون ظهورهم للمتفرجين لينقلب المشهد رأسا على عقب ويبرزوا منتحرين بعد أن أحكمت خيوط الستائر قبضتها على رقابهم.. مشهد في آية البلاغة والرمزية لمجتمع انتحر طوعا لأنّه لم يدرك أنّه وضع نفسه على طريق دون منفذ.
ولأنّ القتامة لا تشبه الجبالي في شيء، يُحدث مخرج «التابعة» منعرجا إبداعيا خاصا من نوعه يستدعي فيه الخيال والوسائل البصرية المخادعة... تتساقط أمطار غزيرة على الركح ثمّ ثلوج بيضاء على أزرق البلد وهمّ البلد ليبدأ العد التنازلي، فالبقاء على هذه الرقعة لم يعد يطاق ولو أنّ الأمل مازال قائما..
عدّ تنازلي وثلوج مطهّرة تُبدد التشوهات وتبيد الأدرَان قبل أن يُزهر «آدميون» جدد، جنس بشري مختلف في تركيبته الجسدية والفكرية يتقدم بخطوات بطيئة على الركح حاملا معه آمال وطموحات عهد جديد... هذا ما قد يكون حلُم به توفيق الجبالي في عمله المسرحي الجديد متحديّا وساحبا البساط من تحت أقدام «التابعة» التي ظلت تلاحقنا منذ عقود... تابعة الجهل والتفاهة والقشور و«دقان الحنك» وأمّا الثورة بمعناها السياسي، فلا أمل يُرجى منها إذا لم ننتفض على جوهر ماهو مريض فينا.
شيراز بن مراد
صور: كريم العامري

مسرحية «سلفي» تنتصر للضعيف وترد الاعتبار لمهنة عون النظافة

أليس عون النظافة تونسيا ككل التونسيين؟ ألم يحلم في صغره كبقية أترابه بأن يصبح طبيبا أو طيارا؟ لماذا يشكل اليوم حلقة من أضعف الحلقات في مجتمعنا؟ هذا بعض من الأسئلة التي طرحتها مسرحية «سلفي» التي تمّ تقديم عرضها الأول يوم الجمعة 9 أكتوبر بقاعة المونديال بالعاصمة.
ورغم جديّة الطرح ، فإنّ روح الفكاهة لم تغب عن المسرحية بل كانت حاضرة طوال مختلف مراحل هذا العمل المميز الذي سهر على إعداده الثلاثي أحمد عامر على مستوى النص وطاهر عيسى بالعربي على مستوى الإخراج وإكرام عزوز على مستوى التمثيل..
وتروي المسرحية قصة عون نظافة يُدعى صالح مرغاد تتهمه السلطات الأمنية بتهديد أمن الدولة وبالإعداد لعملية إرهابية. يتم إلقاء القبض على البطل لتنطلق رحلته مع ماضيه، طفولته ثمّ فشله في الدراسة ومنها تجربته في مكتب التشغيل ثمّ التحاقه بسلك أعوان النظافة.
ومن خلال تفاصيل حياة صالح مرغاد يعانق المتفرج «قصتنا التونسية الجماعية» تلك التي تجتمع فيها قواسمنا المشتركة ومميزات الشخصية التونسية، فيتماهى معها ويشاهد نفسه على الركح رغم اختلاف المسارات والثنايا.
ومن اللوحات التي شدت انتباهنا ولاقت استحسان الجمهور الحاضر في عرض الافتتاح تلك التي يتداخل فيها الحلم مع الحقيقة ويستفيق فيها إكرام عزوز على مدينة نظيفة، منظمة تماما عكس ما نراه اليوم من تكدس للفضلات ومن عدم احترام لإشارات المرور وتبادل للعنف وغيرها.. فقد هُدم سجن الإيقاف ببوشوشة وتوّحد المغرب العربي وساد الاحترام بين الجميع وغابت القاذورات من الشوارع وهي كلّها مواقف ساخرة قدّمها إكرام عزوز بكثير من الضمار وخفة الروح...
غير أنّ لمسرحية «سلفي» ميزة أخرى أبعد ممّا يبدو ظاهرا للعيان، فهذا العمل يذكرنا ونحن مصابون بداء النسيان -في غالب الأحيان- أنّ عون النظافة الذي يشتغل في ظروف صعبة ويكابد البرد وحرارة الطقس كما يعاني من قساوة البعض ليس الا واحدا منا، كان طفلا يحلم بمستقبل واعد ككل التونسيين قبل أن تلفظه ظروف الحياة فيجد نفسه مضطرا لممارسة هذا العمل الهام والحيوي مقابل دخل ضعيف لا يكفي لضمان الحياة الكريمة لعائلته.. فلماذا لا نفكر بمنطق العدالة الاجتماعية وبمنطق التضامن ونحن أبناء الشعب الواحد؟ قد تبدو المسألة طوباوية لكنّها أساسية إذا ما اردنا مراجعة أنفسنا..
ويمكن القول إنّ مسرحية «سلفي» انتهجت منحى «الانتصار للضعيف» وإزالة الغشاء الذي يغطي أعين العديد منا.. فعندما تدعو السلطات الأمنية عون النظافة صالح مرغاد للتحقيق معه حول انتمائه لخلية إرهابية، نفهم أنّ الحلقة الأضعف في المجتمع هي التي تدفع ـ دائما- الثمن في حين يتمتع من لهم «المال» أو «الجاه» بالاستثناءات وبالإعفاءات ومما طاب من التسهيلات...
ولايصال مختلف مضامين النص المسرحي، اعتمد المخرج طاهر عيسى بالعربي على تقنيات مختلفة منها تقنية الفيديو المعروض على الواجهة الخلفية للركح وكذلك اللوحات الراقصة التي أثثت محيط عون النظافة صالح مرغاد وجعلت الركح متحركا يثير المتابعة والاهتمام بعيدا عن كل أشكال الجمود..
بين الأسلوب الفكاهي والطرح الجدي، توفقت مسرحية «سلفي» في تمرير عدة رسائل مجتمعية جوهريّة تتعلقّ بغياب العدالة الاجتماعية وبالظلم الذي يتعرض له ضعاف الحال، كل ذلك بلغة كوميدية محبذة تنفذ للدواخل وتدعو للتفاعل. ويمكن القول إنّ مسرحية «سلفي» ترد الاعتبار لمهنة «عون النظافة» بأسلوب فني ظريف يصالح الجمهور مع المسرح ويُرغّبه في مزيد متابعة الأعمال الهادفة والهزلية في آن.
شيراز بن مراد

مسرحية سوس لنزار السعيدي: خنّاڨة راك يا بلادي.. الحلمة فيك أضيق من عين الابرة


«آش تعمل المنامة في بلاد بيبانها مسكرة؟» هكذا تحدث صبري بطل مسرحية «سوس» للمخرج نزار السعيدي والتي عرضت يوم السبت 17 أكتوبر بقاعة الفن الرابع في إطار الدورة 17 لأيام قرطاج المسرحية. «بلاد بيبانها مسكرة، ناسها بعضهم موجوعين وبعضهم ملتاعين، بلاد تدفع بولادها الى الاجرام أو الانتحار أو الجنون».. هذه هي البلاد التي صوّرها المخرج نزار السعيدي في مسرحية «سوس» التي صاغ نصها الكاتب عبد الوهاب الملوّح وأنتجها مركز الفنون الدرامية والركحية بقفصة.
ومن خلال قصة الشاب صبري الذي يُقاد الى مستشفى الأمراض النفسية بعد ارتكابه لثلاث جرائم قتل، تنقل مسرحية «سوس» وقائع من مجتمع مريض انسدت فيه الآفاق وطغت عليه المصلحية ليصبح شبيها بمربع أسود نخرته الديدان... أشلاء مجتمع وبقايا وطن رتع فيه المهربون وتشابكت فيه مصالحهم مع المتشددين الدينيين وتحالف فيه الأمنيون مع السياسيين خدمة لمصالح بعضهم البعض. مؤشرات لا يمكن أن تنبئ بخير بل تذهب كلّها في اتجاه عدمية مؤكدة..
يقف الشاب صبري عاريا متجردا من صفات هذا المجتمع المتهاوي ليكون شاهدا على نفسه وعلى الآخرين.. أفلا يُجسد حالة الانهيار التي يعيشها وطنه؟ يشهد صبري على تفشي البطالة بين حاملي الشهائد العليا وعلى انخراط ابناء جيله في التيارات الظلامية العنيفة... يشهد على لغة الأحزاب السياسية المضروبة، على خور ناسها، وعلى الفساد الذي نخر الأمن وقضى على الاقتصاد فلم يبق فيه سواء المهربين... 
تتخمر الأفكار في رأسه، أفكار سوداء من مجتمع فقد قيمه وضلّ الطريق.. يفقد صبري شعوره بالإنسانية، ويتحول الى طائر بطريق يبحث عن أفق جديد أو إلى هيكل شبيه بالديدان التي تواصل زحفها على المدينة.
ومن خلال مشهدية مميزة أشرفت عليها مصممة الكوريغرافيا نوال سكندراني، تتلون المدينة بالقتامة ويتشح ناسها بالسواد، فيبدو مجتمع صبري مجتمعا موبوءا محكوم على أفراده بالهلاك العاجل أو الآجل، فإمّا ينخرطون في «اللعبة الكبرى»، لعبة الفساد والظلامية ونهب ثروات البلاد أو يرفضون تلك اللعبة فيكون مصيرهم إمّا الإجرام أو الانتحار أو الجنون. ذلك هو الطريق الملغوم الذي يهديه المجتمع لمن يرفض الانخراط في لعبته الكبرى... 
وعبر هذه التيمات الانسانية، تبرزُ الرؤية النقدية للكاتب عبد الوهاب الملوّح للمجتمع الذي نعيش فيه، فكيف للبشر الواحد ان يصمد في وجه هذه اللعبة؟ كيف له أن يحلم، أن يُبدع أن يُحقق ذاته وقد انغلقت ثنايا الانسان لينقلب البلد الى متاهة كئيبة ذات ملامح سوداء؟ هذه هي الأسئلة الجوهرية التي طرحتها مسرحية "سوس" بلغة جمالية مميزة جمعت بين عطاء الممثلين على الركح وبين المؤثرات البصرية الفريدة.
على أسود البلد اللامتناهي، وهو لون البلد الذي ترسخ في مخيلتنا من مسرحية "سوس"، يستلقي صبري أمام المصدح فيعبّر عن حبّه وخيبته من بلده قائلا: «الى المسماة بلادي.. سامحيني كان حبيتك وكرهتيني.. سامحيني اذا ماقدرت نفك حروفي والوردة ذبلت في كفوفي.. سامحيني اذا في وجهك سبيتك وفي طريق المرواح سبقتني الدمعة وقلت حبيتك... ضيقة الحلمة... خنّاڨة يابلادي.. فيك الكلمة حراڨة.. مانيش تنبرى والحلمة فيك اضيق من الابرة... سامحيني يا بلادي بحرك غارق نداني حارق... حبيت فيك نوطن عروقي... نمد وديان حامله فيك تتمد»...
هكذا علا صوت صبري، في المشهد الأخير للمسرحية، مناجيا وموجوعا وكأنّه يحاول لملمة جراحه بموسيقى الكلمات، فقد تكون هي الشيء الوحيد الذي تبقى على هذه الأرض بعد خراب الروح والوطن. "خنّاڨة راك يا بلادي... الحلمة فيك أضيق من عين الابرة"...
الجذاذة الفنية لمسرحية "سوس"
* مدة العرض: 80 دقيقة
* اللغة : عربية (الدارجة)
* مدير الإنتاج: الهادي عباس
* تأليف : عبد الوهاب ملّوح
* إخراج : نزار السعيدي
* كوريغرافيا : نوال الإسكندراني
* تمثيل : - محمد ساسي القطاري - حمزة بنداود - عادل رابح - عواطف مبارك - حسن ربح - كمال بوعزيزي - منال بنسعيد - إيمان مماش - الأسعد حمدة - محمد السعيدي - عبد الرزاق صخراوي

شيراز بن مراد

في حفل تكريمه: الصغير أولاد أحمد يحتفي بعشق تونس وبقيمة الشعر كـ«نواة الحياة»

"إنّ هذا التكريم يتجاوز شخصي المتواضع الى تكريم الخطاب الشعري ذاته، باعتباره نواة الحياة.. الحياة التي نحن غافلون عنها بسبب خطابات مغلقة دينية وعقائدية وايديولوجية، تشتغل كلّها إمّا في الما ـ قبل وإما في الما ـ بعد.. دون أن نعي خصائص اللحظات وفرادتها في مسطرة الزمن وفي حياة الانسان عموما»..
بهذه الكلمات استهلّ الشاعر الصغير أولاد أحمد الحفل التكريمي الذي نظمته وزارة الثقافة يوم الاربعاء 14 أكتوبر بالمسرح البلدي بالعاصمة ليؤكد على أهمية الشعر باعتباره «نواة الحياة» مضيفا انّ كل ما وجدته الثورة هو الشعر.. الشعر الممزوج بعذابات الوطن.. الشعر مطبوعا ومقروءا ومغنّى... وكل بيت شعري تردده الجماهير في تونس وعلى طول الخريطة العربية يطيل في إيمانها بحتمية النصر ويقلل من خوفها من الحرية والانعتاق».
 كما عرّج أولاد أحمد عن المرض «التافه» الذي أصابه نازعا قبعته الايرلندية من على رأسه وقائلا: «صحيح فقدتُ الشَّعر.. لكنّي وجدت الشِّعر يرافقني».. وحيّى بالمناسبة الإطار الطبي الذي يشرف على مداواته..
وأضاف الصغير أولاد أحمد أنّ «تونس هي موضوع كتابته الوحيد.. شعرا ونثرا وكلاما ومشيا وحُلما وشرابا منذ انخراطي في الكتابة وإلى هذه اللحظة»وقال صاحب قصيد «نحب البلاد»: «أعلن على الملأ أنّني أحبكم، وأنّني سأحبكم بالقدر الذي تحافظون فيه على كيان تونس: تونس الموجودة على ضفاف البحر المتوسط وليس تونس الموجودة في صحاري القارة الآسيوية أو داخل بعض المخيلات العجيبة الخطرة».
واعتبر صاحب «القيادة الشعرية للثورة التونسية» أنّ «هذا التكريم الرسمي، الذي سبقه اعتراف شعبي واسع خير دليل على أنّ الشعوب تخيّر رحابة النصوص التي تتغنى بحق الحياة على انغلاق النصوص التي تتغنى بواجب الموت ما بعد الحياة وأثناء الحياة كذلك»..
وقد جاءت هذه الكلمة الافتتاحية بمثابة البيان الذي أعلن فيه أولاد أحمد ثوابته آلا وهي تونس والشعر. وقد لاقى بيان الصغير أولاد أحمد استحسان جمهور المسرح البلدي الذي غصت أدراجه بمحبي الشعر وبناس السياسة والإعلام والثقافة وغيرهم من العامة بين شباب وكهول...
وبكثير من الحب، تداولت على الركح مجموعة من المبدعين الذين احتفوا بالصغير أولاد أحمد سليل الأرض التونسية وعاشقها الأزلي.. وقد تولى تقديم الحفل الإعلامي مكي هلال الذي خص الشاعر بمجموعة من القصائد قبل أن يتغنى الفنان جمال قلة بعوده بأشعار أولاد أحمد.
ثمّ صعدت على الركح الفنانة نسرين الدقداقي لتقدم قصيد «إلهي أعنّي عليهم» من خلال مسرحة مميزة لاقت استحسان الحضور. وبين الكلمة واللحن، قدمت الفنانة التشكيلية نجاة الغريسي منحوتة حديدية زرقاء قد ترمز للصغير أولاد أحمد رجل المدينة الخالد الذي لا يمكن أن تنساه لا تونس ولا أبناؤها.
ولأنّ للصغير أولاد أحمد مواقف سياسية معروفة لدى القاصي والداني كان قد عبّر عنها في عدّة وسائل إعلام عربية، تمّ بث مقطعي فيديو من حوارات أدلى بها الشاعر وقال فيها موقفه على سبيل المثال من بورقيبة الذي وصفه بالتقدمي.
ومن ثمّ تولى الشاعران زياد عبد القادر وآدم فتحي تقديم مجموعة من القصائد تلتهما ومضة مسرحية قدمها الفنان جمال مداني الذي كان بمثابة «شبح الأوبرا» الذي لا يغيب عن الركح، فهو أرضه الأولى والأخيرة.
أما موسيقيا، فقد تمّ بث مقطع فيديو للفنانة السورية فايا يونان التي أدت بكثير من الحماسة قصيد «نحب البلاد» في دار الأوبرا بدمشق.. ثم صعد على الركح الفنانان أمال الحمروني وخميس البحري ليقدما مجموعة من الأغاني الملتزمة التي تنتصر لقيم الحرية والانسانية وهي إحدى مقومات البحر الذي يحب موجه أولاد أحمد وكل فنان صادق في البلاد.
ولأنه لا يمكن أن ننهي المقال دون عودة لشعر الصغير أولاد أحمد، فقد اخترنا الأبيات التالية التي تؤكد مرّة أخرى تعلق ابن الخضراء بتونس، بلده الأم:
أكتب الآن نشيدي بدمي
لشهيد كان صوتي وفمي
لغد لم يأتني يا صاحبي منذ قرون
تونسي مرة واحدة
تونسي، دفعة واحدة، أو لا أكون.
شيراز بن مراد

مسرحية "الدنيا منامة" لحفيز ضوّ وعائشة مبارك ودافيد بوبي: تهشيم للمرآة العاكسة لمفاهيم السلطة المتجبرة

هل تدرك زهرة شجرة اللوز عندما تكون متفتحة في أوج جمالها صباحا أنّ
هبة ريح وحيدة يمكن أن تسقطها أرضا فتفقد نضارتها وعنفوانها؟
يقول الكاتب الإسباني بيدرو كلدرون (القرن السابع عشر) في روايته «الدنيا منامة» أنّ «هناك فرقا ضئيلا بين الحياة والحلم إلى درجة أنّنا لا يمكن أن نجزم إن كان ما نشاهده كذبا أم حقيقة».. بالاعتماد على هذه الفكرة الجوهرية في رواية الكاتب الإسباني بيدرو كلدرون، قدّم الثلاثي حفيز ضوّ وعائشة مبارك ودافيد بوبي عملا مسرحيا مميزا يمكن القول بأنّه من أهم الأعمال التي عُرضت خلال الدورة 17 لأيام قرطاج المسرحية...
فمن على ركح المعهد الفرنسي بتونس وبمشاركة عدد من الممثلين على غرار هشام رستم وأميرة الشبلي وعبد الحميد بوشناق ونجمة الزغيدي ومراد الحرزي وبلال الباجي، تعالت حيثيات قصة غريبة الأطوار... قصة ملك يسجن ابنه لمدة 20 عاما في برج معزول بمملكة بولونيا بعد أن أعلمته الأبراج أنّه طالع سوء على البلد. ومع تقدمه في السن، يُقرر الملك بازيليو (هشام رستم) إخلاء سبيل ابنه سيجيسمون (عبد الحميد بوشناق) وتنصيبه على سدّة الحكم. غير أنّ ابنه الذي عاش في عزلة طيلة سنوات يُبدي طابعا متوحشا دمويا، فيقتل خادمه ويحاول اغتصاب إحدى فتيات المملكة.. حينها يُقرر والده إرجاعه الى عزلته لوضع حدّ للمصيبة التي حلّت بالبلد ويُعيّن ابني اختيه (أميرة الشبلي وبلال الباجي) لإدارة الشؤون العامة.. تندلع حينها ثورة شعبية رافضة لهذا التعيين وتنادي بإعادة تنصيب الأمير سيجيسمون... لا يصدق هذا الأخير إن كان ما يعيشه حقيقة أم وهما ويقرر أن يكون ملكا عادلا ومحبا لشعبه.. 
ومن خلال هذه القصة التي تتضمن رمزية فائقة، يتطرق الثلاثي ضو ومبارك وبوبي إلى عدّة مواضيع منها العلاقة المرضية بالسلطة ورغبة الشعوب في تقرير مصيرها فضلا عن معاني الحرية والقمع والتسلط...
ولعل اللافت في هذا العمل المسرحي في نسخته التونسية ـ الفرنسية يتمثل في طريقة التعاطي الركحي مع الأحداث الدرامية للرواية، فخلافا للركح الكلاسيكي، جاء ركح المسرحية مستطيلا وتواجه فيه طرفان: من جهة الملك بازيليو على عرشه يقابله من الجهة الأخرى ابنه الأمير سيجيسمون (عبد الحميد بوشناق) مسجونا في برجه المعزول... عالمان على طرفي نقيض الأول من الثاني، وبين الاثنين مسافات من جبروت السلطة وآلام العزلة وضياع المصير.
يتقدم كل طرف نحو الآخر في محاولة لمد جسور التواصل أو بالعكس لقطعها.. تلتهب المواقف، ترتفع الأصوات، تشتعل أضواء وتنقطع أخرى لتروي كلها ملحمة يحضر فيها التوحش الإنساني، والجشع للسلطة، وقيم الوفاء، والتوق الى العدالة، والاستبداد، والطيبة، والظلم، والخسران، والتزلف...
وهي كلّها تيمات عمل المخرجون الثلاثة على إبرازها مسرحيا حتى تكتمل الصورة دون الابتعاد عن الخط الأساسي للعمل الأصلي وهو هل ما نعيشه وهم أم حقيقة؟ وهو سؤال فلسفي يدفع إلى مراجعة النفس وإلى نكران الذات وإلى التواضع.. فمهما حقق الانسان ومهما بنى وشيّد وعلّى، يمكن أن يخسر كل شيء في رمشة عين... ولو سلمنا بهذه البديهية، لما كانت الغطرسة ولما كان التكالب على السلطة ولما كان الاستغلال الفاحش ولما كان جنون الكرسي.
ومن المشاهد اللافتة للانتباه في المسرحية على المستوى الجمالي، لوحة الثورة الشعبية العارمة التي نادت بتنصيب الأمير سيجيسمون على كرسي العرش.. فوضى بشرية عنيفة ما بين دخان وأضواء كاشفة في ليل حالك... لوحة صيغت بكثير من الحرفية التي تجعل المتفرج يتماهى مع أحداث المسرحية إلى حدّ الانصهار في المشهد الدرامي في لحظة بين الحلم والحقيقة.
ودون أدنى شك يمكن القول بأنّ «الجسد» شكل أداة من أهم أدوات هذا العمل المسرحي، وقد يكون ذلك عائد التي تكوين حفيز ضو وعائشة مبارك في مجال الرقص، فقد طُوعت أجساد الممثلين لتملأ الفضاء الركحي بطاقتها وبحراكها الذي صوّر النصر والهزيمة والعظمة والانكسار لتتكامل العناصر كلها بين نص وموسيقى وجسد وأضواء مولّدة عملا مسرحيا منتصرا لمبدأ «الحياة الحلم» ولا «الحياة الحقيقة»، تماما كما دعا له الاسباني بيدرو كلدرون في نصه الأصلي.
ومن الوسائل الفنية الأخرى التي التجأ اليها المخرجون الثلاثة لتكريس فكرة الحقيقة مقابل الوهم، دعوة الجمهور الحاضر الى الصعود فوق الركح، فيخال المتفرج نفسه على بلاط الامير سيجيسمون في مملكة بولونيا ويتساءل إن كان ذلك وهما أم حقيقة قبل ان يعود الى مقعده من جديد. وهكذا تتبلور فعليا فكرة "الدنيا منامة" كما جاءت في الرواية التي كتبت في العصر الذهبي الاسباني الذي يرمز الى قمة ازدهار الأدب في إسبانيا: تهشيم للمرآة العاكسة لمفاهيم السلطة المتجبرة والطغيان والتكبر والظلم والغرور ودعوة الى معانقة الشك الذي يفتح ثنايا الطيبة والانسانية. 
شيراز بن مراد