للمرّة الثانية على التوالي اختار المخرج مهدي هميلي ان ينجز فيلما
بالأبيض والأسود وكأنّهما اللونان الوحيدان اللذان يلائمان شخصيّة أبطاله..
فهم يعيشون على حافّة الحياة وعلى هامش المدينة، ومن ثمّة ارتأى أن يكسيهم
في فيلم "ليلة بدر" -الذي عرض يوم الجمعة الفارط بقاعة الفن السابع- ألوانا أخرى, ألوان أشعار بدر شاكر السياب وفرلان واليوارد وألوان مشاعر من ذاق طعم الحب وصار غير
قادر على فراق الآخر, وهي ألوان يمكن أن تكون أصدق وأجمل وأقوى من الألوان التي اعتادت أعيننا رؤيتها..
وعلى امتداد الفيلم، حاول المخرج مهدي هميلي ملامسة
شيء من دواخل بطليه اللذين يعانيان ألم الفراق ولوعة البعاد، اذ يروي الشريط قصّة شاعر
تونسي مقيم بباريس يقرّر مغادرة عشيقه الشابّ فيليب والعودة إلى أرض الوطن
وهو ما يضع البطلين في حالة «ما بين قوسين» يتوقف فيها الوقت أو بالأحرى
ينسحب ليترك لهما فسحة لقاء أخير قبل الوداع النّهائي..
وقد بدا لنا
أنّ التيمة الأساسيّة التي تطرّق لها الفيلم هي معاناة الأحبّة لحظة
الفراق، فهي معاناة تبعثر الكيان وتزرع اليأس والاحباط في النّفوس وهو ما
حاول مهدي هيملي اقتفاء أثره طيلة الشريط، كما اقتفى لحظة سعادة التقاء
البطلين في الليلة الأخيرة التي جمعتهما ومن خلال رقصة ثنائيّة معبّرة تعانقت فيها أرواحهما بلطافة متحدية موانع وعنف العالم الخارجي..
وبسلاسة أطلق المخرج
سهاما في مقتل موضوع يعتبر من التابوهات وهو المثلية الجنسية، ليقول إنّ
المشاعر لا تعترف بالجنس ولا بالسنّ ولا بالجنسيّة بل انّ الحبّ والألم
والمعاناة والخوف من الضّياع هي مسائل كونيّة تتقاسمها البشريّة جمعاء..
ومن المواضيع الأخرى التي تطرّق إليها الفيلم حرّية الفرد في المجتمعات
الأوروبّية مقارنة بحريّته في العالم العربي حيث تتعدّد في ديارنا
الممنوعات والتابوهات التي تحدّ من هامش هذه الحرية وهي القضية التي تناولها
مهدي هميلي في محاولة لاعلاء راية التحرر بكلّ أصنافه.. كما يثير الفيلم
موضوع العودة النهائيّة لأرض الوطن وما يشوبها من معاناة نفسية تجعل المعني
بالأمر وكأنّه يرتمي بين أحضان الفراغ، فلا الوطن الذي احتضنه وطنه
الحقيقي ولا الوطن الذي سيعود اليه تربطه به وشائج حياة، فما بالك اذا كان
هذا الفرد شاعرا ومثليا جنسيا؟
ويتركنا هكذا مهدي هميلي هكذا على شفا
السؤال وعلى شفا الحيرة كما الآلاف والملايين من البشر الذين يلفون أنفسهم
في مفترقات مصيرية لا يعرفون مآلها..
وفضلا عن هذا، التجأ المخرج الى
موسيقى البيانوالذي تماهت ملامسه البيضاء والسوداء مع ألوان الفيلم ومع
الإضاءات التي شكلت ركيزة أساسيّة لهذا العمل الفنّي على المستوى
الاستيتيكي، اذ تعدّدت «المشاهد ـ اللوحات» المنطوية على جمالية فائقة
ومنها بالخصوص تلك التي يظهر فيها وجه البطل «بدر» عن قرب بتجاعيده وبعينيه
السوداوين وأنفه المنكفئ وشعره الأبيض الرّمادي.. ويمكن القول إجمالا إنّ
الميزة الأولى لفيلم «ليلة بدر» هي الشاعرية التي حرص مهدي هميلي على إبرازها,
شاعرية الكلمات وشاعرية الشخصيات وكذلك المواقف والصور في محاولة «للقبض»
على هشاشة ساكنة في كياننا.. هشاشة من يٌحب ويُؤثر الفراق في الوقت نفسه..
هشاشة المتذبذب الذي لم يهتد بعد إلى مرفأ الأمان.. هشاشة من قبل الجراح ووخز
الأشواك رغم وعيه بآلامها.
ويذكر ان شريط «ليلة بدر» ـ وهو من انتاج شركة «بولي موفي
الدولية» ـ سيشارك في مهرجان كان السينمائي في «زاوية الفيلم القصير»
انطلاقا من يوم 16 ماي الجاري.
أصدرت الكاتبة والمفكرة ألفة يوسف مجموعة كتيبات (وعددها سبعة) تطرقت فيها
إلى مواضيع مثيرة للجدل على غرار تعدد الزوجات وشرب الخمر والاعدام وحدّ
السرقة ولبس الحجاب والمثلية الجنسية وذلك ضمن سلسلة «والله أعلم».. وأفادت
ألفة يوسف أنّها «لا تسعى إلى تقديم جواب نهائي بخصوص هذه المواضيع لأنّها
تؤمن أن لكلّ شخص جوابه وأنّ لكل مقام مقاله»... ويذكر أنّ هذه الكتيبات
جاءت في شكل حوار شيّق بين شخصين يقف كل منهما على طرف نقيض من الآخر...
ولكي نعطي فكرة على الطريقة التي اتبعتها الدكتورة ألفة يوسف في تطرقها
للمواضيع المذكورة سنتوقف عند ثلاثة كتب وهي «في الخمر» و«في تعدد الزوجات»
و«في الإعدام».
«في الخمر»: جدل حول تحريم الخمر من عدمه
بالنسبة
إلى موضوع الخمر، واجهت ألفة يوسف بين شخص يعتبر الخمر محرّمة وآخر لا
يراها كذلك، ويستند كلّ منهما إلى حجج وأدلة مضادة لمجادلة الآخر.. فالأوّل
مرجعه الآية القرآنية التالية: «يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر
والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون» (المائدة
90)، بينما يرى الثاني أنّه لا توجد في القرآن آية تجمع في جملة واحدة فعل
التحريم كما هو الشأن بالنسبة الى تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير معتبرا
أنّ المشكل يكمن في السكر لا في شرب الخمر.. وفي 44 صفحة يتجادل الطرفان في
قالب مناظرة فكرية شيقة يزايد فيها كل طرف بما لديه من قرائن يراها دامغة.
«في الإعدام»: بين من ينادي بالإعدام ومن يعارضه
وبخصوص موضوع الإعدام كانت المواجهة بين شخص ينادي بإعدام من يقتل عمدا
مستندا إلى الآية التالية: «يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في
القتلى، الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى» (البقرة 178)، وبين
آخر يعارضه إذ يرى أنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أعزّ النفس البشرية وشرفها
وجعل من يقتلها بمثابة من قتل الناس جميعا وجعل من يحييها كمن يحيي الناس
جميعا، متسائلا: ألم يقل الرّسول عليه الصلاة والسلام «لزوال الدنيا أهون
عند الله من قتل مسلم». وكما في الكتيب الأوّل، أغنت ألفة يوسف الموقفين
بآيات وأحاديث وأمثلة فاتحة باب الحوار لا الجدل العقيم.
«في تعدد الزوجات»: بين مؤيد ورافض
ومتّبعة النهج نفسه، خصت ألف يوسف موضوع «تعدد الزوجات» كذلك بكتيب تناظر
فيه شخصان تضاربت مواقفهما منه.. فبينما يستغرب الأول منع تعدد الزوجات
معتبرا أنّ القرآن أباحه وأنّ العدل هو الشرط الأساسي أمام هذا التعدد,
استشهد من يقف منه موقف المعارض برفض الرسول الأكرم زواج علي ابن أبي طالب
بامرأة ثانية على ابنته فاطمة قائلا: «إنّ بني هاشم بن المغيرة استأذنوا في
أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن ثم لا آذن، ثمّ لا آذن، إلاّ
أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنّما هي بضعة مني
يريبني ما أرابها ويؤذيني ما أذاها».
وهكذا تتوسع رقعة النقاش بين
الطرفين باعتماد الحجج والحجج المضادّة حول هذا الموضوع الشائك والذي حسمت
مجلة الأحوال الشخصية في تونس في شأنه..
ومهما يكن من أمر فإنّ أكبر
مزية لهذه المؤلفات المبسطة هو في قطعها مع الجمود الفكري لتفتح في المقابل
باب النقاش والجدل دون تصادم أو عنف... وقد بدا لنا أنّ ديدن ألفة يوسف
كان مقارعة الفكر بالفكر والرأي بالرأي والحجة بالحجة لأنّ الإنسان يفقد
إنسانيته عندما يجابه من يخالفه الرأي بالعنف والإقصاء والتكفير، ولكن كم
تسمو مرتبته عندما يحترم فكر الآخر ولو كان في الاتجاه المعاكس.
شيراز بن مراد
رغم تباين الرّوايات بين مؤكّد لخبر تدنيس قبر المصلح الاجتماعي الطاهر
الحدّاد وبين مكذّب له، توجّه يوم الجمعة 4 ماي بمبادرة من الأستاذة بشرى
بلحاج حميدة، جمع من النّقابيين والنّاشطين في الحقل السياسي والمدني الى
مقبرة الجلاز وبالتحديد الى ضريح المرحوم الطاهر الحدّاد حيث وضعوا أكاليل
الورد وتلوا آيات بينات في لمسة وفاء وذكرى لروح هذه الشخصيّة التونسيّة
الاستثنائيّة..
وقد مثّل اللقاء فرصة لاسترجاع أوجه من نضال هذا الرّجل
الذي قال عنه الكاتب طه حسين إنّه سبق زمنه بقرنين.. ولد الحدّاد بتونس
العاصمة سنة 1899 وتوفي سنة 1935 بعد مسيرة نضاليّة زاخرة بالمواقف
والاصدارات حيث كان من الرواد المبكرين للحركة النّقابية إذ أسس مع
محمد علي الحامي سنة 1924 جامعة عموم العملة التونسيين وأصدر سنة 1927 كتاب
«العمال التونسيون وظهور الحركة النّقابية» الذي صادرته سلطات الاستعمار
فور صدوره..
وإلى جانب نضاله النّقابي، اشتهر الطاهر الحدّاد بمواقفه
الاصلاحيّة حيث ألف كتاب «امرأتنا في الشّريعة والمجتمع» سنة 1930 الذي
نادى فيه بتحرير المرأة التونسية من القيود التي تكبّلها داخل المجتمع
وبمنع تعدد الزوجات ممّا وضعه في محكّ مع مشايخ الزيتونة الذين اتهموه
بالالحاد مجرّدين اياه من شهادته العلميّة ومطالبين بمنعه من حقّ
الزواج...
أمّا على المستوى السياسي، فقد كان من مؤسّسي الحزب الحرّ
الدستوري مع عبد العزيز الثعالبي سنة 1920 بعد أن عرف بكتاباته في عديد
الصحف على غرار «الأمّة» و«مرشد الأمة» و«افريقيا»... كما جمعته صداقة وطيدة بالشاعر أبوالقاسم الشابي ومحمد علي الحامي الذين أنجز حولهم السينمائي
فاضل الجزيري فيلم «ثلاثون» مسترجعا حقبة نضالية هامّة من التاريخ
التونسي..
وكما أسلفنا القول عن مدى صحة خبر تدنيس قبرالطاهر الحداد من
عدمها، فقد كانت زيارة ضريحه محمّلة بالمعاني الرافضة للرجعيّة والداعمة
للآراء التحرّرية والمؤكدة على دور المرأة في المجتمع التونسي.. كان الموعد
على تمام الساعة الرّابعة حيث أشعّة الشّمس الرّبيعيّة وظلال بعض الأشجارالوارفة
ومنظرأزهار شقائق النعمان الحمراء يبعث على الأمل والانشراح رغم المخاطر
المحدّقة والعقليات البالية..
شيراز بن مراد
منذ حوالي 8 أشهر أصدر المستشار الشاب سيريل كراي مؤلفا اعتبره بمثابة
«اعلان حرب» ضد البطالة والتهميش اللذين يعاني منها قرابة مليوني تونسي..
وفي مؤلفه هذا قدم سيريل كراي مجموعة من المقترحات العملية للقطع مع
الامراض التي أنهكت تونس..
ولعل أبرز انطباع يخلفه هذا الاصدار
الذي يعج بالافكار القيمة، هو اقتناع بأننا حدنا عن تلبية مطالب الثورة
وبتنا غارقين في مشاكل ثانوية وفي مواجهات نحن في غنى عنها.. فعوض تجنيد كل
طاقاتنا لمحاربة ـ والكلمة للكاتب سيريل كراي ـ المعضلات التي تؤرق الشعب
التونسي صرنا نستنزف قواتنا (حكومة ومعارضة ومجتمعا مدنيا) في تجاذبات
لن تنفع التنمية ولا الرقي ولا ضمان العيش الكريم للمواطنين.. وتجدر
الاشارة إلى أن كتاب «الحرب القادمة في تونس» تضمن قرابة 100 مقترح تراوحت
ما بين الاقتصادي وإصلاح المنظومة التعليمية والإدارة وغيرها..
وقد
استنجد سيريل كراي بخبرته على المستوى الدولي (اشتغل بالبرازيل وبعدد آخر
من البلدان) ليقدم مقاربة اعتمد فيها على مواطن قوة تونس وضعفها على
مستوى القدرة التنافسية والكفاءات المتوفرة والموقع الجغرافي والتراكم
الحضاري.. ومن بين ما اقترحه الكاتب الترفيع في تصدير الخدمات (offshoring)
وتطوير النسيج الجمعياتي الذي يوفر في بعض البلدان ٪10 من مواطن الشغل ورد
الاعتبار للتكوين المهني وللشعب التقنية والقضاء على البيروقراطية وتشبيب
الادارة التونسية.. كما نادى كراي بتطوير المنظومة التعليمية مشيرا إلى أن
أحسن جامعة تونسية تحتل المرتبة 6719 في ترتيب شنغاي وأمّا أسفل السلم
فتحتله جامعة جندوبة (المرتبة 8887).. من جهة أخرى أكد الكاتب على أهمية
الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة التونسية بعد أن أثبتت قدرتها على التميّز
والانتاج وكذلك النضال..
وبالنسبة الى الملف السياسي، حذّر سيريل
كراي من النظام البرلماني الذي يذكر بنازية هتلر وفاشية موسيليني، مقترحا
الاقتداء بالنموذج البرازيلي الذي يعتمد الفصل بين السلطات و يعطي
استقلالية كبيرة للجهات ويتم فيه انتخاب الرئيس بطريقة مباشرة من قبل الشعب
وكذلك البرلمان الذي بإمكانه إقالة الرئيس..
«الحرب القادمة في تونس»
مؤلف يزخر بالأفكار المميّزة والرؤى المتفردة التي تبحث عن مصلحة تونس
وشعبها بعيدا عن التجاذبات الضيقة والعقليات المبتورة..
شيراز بن مراد
سيذكر التاريخ حتما أنّ نساء تونس شاركن على قدم من المساواة في نضال
أبناء هذا الوطن ضدّ كل أنواع الظلم والاضطهاد.. ولأنّ الذاكرة تطلب من
يحفظها من التلاشي والنسيان فقد أبت المخرجة سنية الشامخي إلاّ أن تساهم في
هذا المجهود من خلال إنجاز فيلم يوّثق لنضال بعض النسوة، لا كلّهن طبعا،
وقد افتتح شريطها «مناضلات» يوم الإربعاء 25 أفريل الدورة السابعة لمهرجان
الفيلم الوثائقي..
جاء «مناضلات» في شكل باقة تفتحت ورودها على مجموعة
من النساء اللاتي عرفن بنضالهن أيّام الحديد والنّار على غرار المحاميات
راضية نصراوي وبشرى بلحاج حميدة وسعيدة قراش والقاضية روضة القرافي، فضلا
عن عدد آخر من النساء الناشطات في المجتمع المدني على غرار سهام بن سدرين
ولطيفة لخضر وليلى الزغيدي وبسمة السوداني، ومن السياسيات كسعاد عبد الرحيم
(النهضة) وخديجة بلحسين (القطب).
وقد أحسسنا أنّ سنية الشامخي أرادت
أن يكون فيلمها بمثابة الغمزة لهؤلاء النسوة اللاتي ساهمن، كل من موقعها،
في المسار الانتقالي التي تمرّ به تونس بعد الثورة، فهذه شاركت في
الانتخابات كرئيسة قائمة، وهذه كانت عضوا في الهيئة العليا لتحقيق أهداف
الثورة والأخرى ساهمت في تحسيس عامة الناس بأهميّة التصويت... وهي أدوار
هامة لعبتها المرأة التونسية حتى لو لم تتمكن من حوز نصف مقاعد المجلس
التأسيسي وهي التي تمثل نسبـة 50 ٪ من تركيبة مجتمعنا.
ولئن توفقت
المخرجة في تقديم عمل فني مميز فإنّ اللوم أو النقد الذي يمكن أن نوّجهه
إليها يتعلّق بعدم تحديدها بصفة دقيقة لموضوع الفيلم، فهل أرادت تسليط
الضوء على المشاركات في الانتخابات أو كل المناضلات؟
ونعتقد أنه كان من
الأجدى تحديد الهدف حتى لا تظلم أي من هؤلاء النسوة اللائي شرفن تونس
بمواقفهن وبانخراطهنّ في الشأن العام.. وفي هذا الصّدد عبرت القاضية روضة
قرافي عن خيبتها من الشريط الذي لم يعكس نضال القاضيات التونسيات اللاتي كن
عرضة للقمع وللتشريد ولتدمير العائلات، ويمكن الجزم بأنّ القاضيات
التونسيات اللاتي ناضلن صلب جمعية القضاة ـ والتي تمّ الانقلاب على شرعيتها
سنة 2005 ـ يستحققن فيلما ينقل أوجه كفاحهن في حقبة النظام السابق.
كما انتظرنا أن تكون من بين «المناضلات» وجوه أخرى عرفت بمساهمتهن في
الحراك الذي عاشته البلاد إلى حدّ الآن مثل السياسية مية الجريبي أو
القاضية كلثوم كنو أو الشابة كوثر العياري أو المسرحية جليلة بكار أو
الناشطة زينب فرحات وغيرهن عديدات..
وبغض النظر عن هذه الملاحظات، يمكن
القول إنّ الفيلم توّفق في نقل جانب من الحراك النسوي السياسي الذي ساهمت
فيه أسماء عديدة رغم قلة الخبرة ومحدودية الإمكانيات وطغيان العقلية
الذكورية على المجتمع. وهو حراك يجب أن نعي به وأن تعي به الأجيال
القادمة.. فمن ميزات تونس المكانة التي تحظى بها المرأة في المجتمع، مرأة
ناضجة وواعية وجديّة، يُكن لها الاحترام والتقدير بالنظر إلى تضحياتها داخل
بيتها وخارجه من أجل إنشاء أجيال متوازنة مع نفسها ومنسجمة مع محيطها.
ورغم فشل عدد من النسوة في الانتخابات فإنّ أجمل ما قالته بعض منهن إنّ النضال متواصل وإنّ التيارات الرجعية ستنهزم.
«مناضلات» كان بمثابة تحية سخية لكل التونسيات ـ حتى لو لم يظهرن في
الشريط ـ اللاتي آمنّ بدورهنّ المجتمعي وانخرطن في الحراك الذي شهدته
البلاد.. بلاد تحب بناتها كما أبناءها لأنّ توازنها نابع من حضورهن وحضورهم
يدا في يد أمام كل التحديات.
من مزايا الأفلام الوثائقية أنّها تنقل لك وقائع وأحداثا لا تشاهدها في
أيّة نشرة إخبارية... فمن سمع مثلا عن صمود سكان قرية بلعين الفلسطينية وعن
مقاومتهم الصامدة لوحشية الجنود الإسرائيليين؟ ومن علم باستبسالهم في
الدفاع عن أرضهم ضد توسع المباني الاستيطانية الإسرائيلية؟
هي أحداث
سمح لنا مهرجان الأفلام الوثائقية الذي انتظم خلال الأسبوع الفارط في تونس
بالإطلاع عليها من خلال شريط «خمس كاميرات محطمة» للصحفي الفلسطيني عماد
برناط الذي نقل بكاميراته ـ الواحدة تلو الأخرى ـ مقاومة متساكني قرية
بلعين الحدودية للعدو الإسرائيلي ورفضهم للجدار العازل الذي استحوذت من
خلاله الحكومة الإسرائيلية على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية..
واستنفذ عماد برناط كاميراته الخمس (خلال السنوات الست التي تطلبها تصوير
الفيلم 2005ـ2010) بعد أن تعرضت كلها الى التهشيم من قبل القوات الصهيونية
ولكنّها سجّلت للذاكرة أشواطا من التضحية من أجل الأرض ومن أجل القضية بعد
أن اختارت إسرائيل انتهاج سياسة التقتيل لإخماد كل الأصوات الفلسطينية
المنددة بجرائم الكيان الصهيوني شعارها في ذلك «أصمت أو مُت». وقد كاد عماد
برناط يغادر هذه الدنيا بعد تعرضه إلى اعتداء عنيف سنة 2008 قضى إثره 20
يوما في الإنعاش ولعلّ تعلّقه بعائلته وبابنه الصغير جبريل جعله يتعافى
بسرعة أكبر.
ومن أكثر المشاهد تأثيرا تلك التي صوّر فيها عماد برناط
اقتلاع أشجار الزيتون وحرقها من قبل الجيش الإسرائيلي في أجواء تنذر بنهاية
الإنسان وبسقوط القيم وكذلك مقتل صديقه «فيل» سنة 2008 وجنازة طفل (11
سنة) وشاب (17 سنة) قتلا في اليوم نفسه، فضلا عن مداهمة البيوت واعتقال
الشباب وإيقاف صديقه أديب لمدّة سنة وهو الذي لم يفعل شيئا سوى الاحتجاج
على اغتصاب أرض فلسطين..ويدفعك شريط «خمس كاميرات محطمة» للتساؤل عن
الإنسانية المفقودة لمن يتشدقون بالديمقراطية وبحقوق الإنسان وكرامة الأم
والأب والطفل الفلسطيني تهان في اليوم آلاف المرّات... فماذا عساك تفعل
عندما يحاصرك الموت من كل جهة وتعجز عن تبليغ صوتك المنادي بالعيش الكريم
على أرض الأجداد لا أكثر ولا أقلّ... وماذا عساك تفعل وأنت ترى أطفالا
فلسطينيين يكبرون على وقع الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع؟ إنّك
ستتساءل عندها عن معنى الخطب السياسية الرنانة وعن النفاق المستشري وعن
الأقنعة المخزية التي تلهث وراء المناصب والدم يسيل من تحت الكراسي.
لو كانت الكلمات تقدر على
اختزال أوصاف الشهيد حاتم بالطاهر فستقول إنّه رجل عشق الصحراء وقدّس العلم
والمعرفة وأحبّ عائلته وأصدقاءه... تلك هي الصورة التي خلفها في ذهننا
فيلم «حاتم بالطاهر شهيد الكرامة» الذي أخرجه الفنان صالح الجدي وقدمه منذ
أيّام في مهرجان الأفلام الوثائقية، وقد صرّح الجدي أنّه أراد من خلال
فيلمه تكريم رجالات التعليم في نضالهم اليومي وكفاحهم في تنشئة أجيال
المستقبل.
وتعددت في هذا الشريط الوثائقي الشهادات التي نقلت شيئا من
طيبة وجدية المهندس في الإعلامية حاتم بالطاهر الذي وافاة الأجل يوم 12
جانفي 2011 بمدينة دوز بعدما أصيب بطلقة نارية عندما كان بصدد المشاركة في
مظاهرة احتجاجية جابت شوارع عروس الصحراء خلال الثورة التونسية.. ويذكر أنّ
حاتم بالطاهر كان مستقرا بفرنسا حيث يدرّس الإعلامية بجامعة كومبيان غير
أنّ الأقدار شاءت أن يعود إلى أرض الوطن ليقضي أياما بين أهله وذويه
ولتغادر روحه العالم السفلي من مسقط رأسه والتربة التي أحبها وبقي وفيا
لها.
وتحدث عدد من أفراد عائلته على غرار أخته فاطمة وأخويه فاضل
ومبروك فضلا عن زوجته بتأثر عن الجانب الإنساني للشهيد حاتم بالطاهر حيث
كان يعطي أهمية قصوى للروابط العائلية.. ثمّ انتقل المخرج صالح الجدي
بكاميراه إلى أصدقاء حاتم بالطاهر على غرار فتحي يحياوي ومنهم إلى زملائه
بجامعة كومبيان الفرنسية الذين عددوا خصاله ومناقبه ممّا يؤكد قيمته
العلمية وفداحة الخسارة البحثية بالنسبة للمجال الذي اختص فيه.
وإضافة
إلى الجانب الوثائقي الذي اعتمد عليه الشريط في استرجاع صور من الماضي
الغير البعيد، استعان المخرج بتقنية سينمائية نفخت الروح في بعض المشاهد
كتلك التي يظهر فيها حاتم بالطاهر وهو بصدد التجول في الصحراء أو بصدد
التخيم مع جمع من أصدقاءه على تلك الأراضي الولادة والزاخرة بالكرام
والعطاء والإنسانية.
وقد أهدى صالح الجدي الفيلم إلى ندى وحاتم (ولد
بعد أشهر من وفاة والده) ابني الفقيد الذين وإن لم يتمكنا من معايشة
والدهما فإنّهما سيكبران في ظلّ صورة أب يعلوها نور حب الوطن ونور التضحية
ونور العلم.
شيراز بن مراد