السبت، 3 يناير 2015

دليل الفضاءات الثّقافيّة المستقلّة

أعلنت زينب فرحات مديرة فضاء التياترو عن تأسيس أوّل شبكة للفضاءات الثقافية المستقلة... وقالت إنّ هذه الشبكة تهدف إلى لمّ شمل الفضاءات المستقلة بما يفتح أبواب التضامن والتواصل بينها، وخاصة في ما يخص علاقتها بوزارتي الثقافة والمالية.
وصرحت زينت فرحات أنّه من شأن هذه الشبكة أن تساهم في الإعداد للمؤتمرات الوطنية للثقافة التي ستعمل على تقديم رؤيتها للسلطة بخصوص النظام الثقافي الجديد الذي يجب أن يحلّ محلّ النظام القديم بما فيه من تجاوزات وانعدام للشفافية.. وهذا دليل الفضاءات الثقافية المستقلة التي كانت حاضرة في اللقاء الذي نظمته زينب فرحات يومي 11 و12 ديسمبر بفضاء التياترو.

ـ المركز الدولي للفنون المعاصرة بالقصرين لباعثه وليد الخضراوي، وهو فضاء يهتمّ بمختلف الفنون وفي رصيده 3 أعمال «درويش» و«الوقت الميت» و«كلون كلوف» فضلا عن راديو على الواب يهتم بالأنشطة الثقافية.
الهاتف: 21970345 ـ 77411309
ـ «كهف الفنون» بالكاف  Althiburos لصاحبه الفنان التشكيلي عمار بلغيث. يستقبل «كهف الفنون» شتّى العروض الموسيقيّة ومن المفروض ان يحتضن خلال شهر ماي القادم عرض فنّي حول أساطير الحب في الكاف.
الهاتف: 97550256
ـ «المخزن» في باب سويقة لصاحبه الفنان محمد علي بن جمعة. المخزن عبارة عن رواق فنّي وعن مسرح جيب يتسع لـ40 ـ 50 متفرّج. يحتضن الفضاء عروضا سينمائيّة للأطفال والكهول وتنشط فيه قرابة 12 جمعيّة.
الهاتف: 20323375
ـ مركز ثقافي خاصّ في سليانة: من المنتظر ان يفتح أبوابه في ربيع 2015، وقال وليد همّامي صاحب المشروع انّه يسعى لتأسيس أول رواق فني تحت الأرض مع توفير قاعة عرض للسينما والمسرح ومكتبة فضلا عن توفير خدمات تكوين في المجال الفني.
ـ المركز الثقافي الجبلي بالقصرين لعبد القادر الميساوي. المركز موجود في منطقة فيض المثنان على سفح جبل سمامة، وهو بيت عائلي أعاد الميساوي ترتيبه ليحتضن تظاهرات ثقافيّة مختلفة. المركز الثقافي الجبلي يقدّم مقاربة ثقافيّة ريفيّة من أهمّ محطّاتها «عيد الرعاة» و«مهرجان الاكليل» وغيرهما..
الهاتف:58330730
ـ «التياترو» للفنّان توفيق الجبالي. تحدث الجبالي عن صعوبات البداية عندما طرحت فكرة بعث مجموعات مسرحية مستقلّة  على غرر «المسرح الجديد» و«فو» و«العضوي» و«المثلث».. وتم تدشين «التياترو» وهو محاذي لنزل المشتل في العاصمة يوم 5 أكتوبر 1987، ومن أوّل انتاجاته «مذكرات ديناصور». وقال الجبالي انّ هناك 3 شروط أساسية لديمومة الفضاء الثقافي وهي تقديم الخدمات ومداخيل الجمهور ودعم الدولة، وتساءل الجبالي كيف لفضاء له أهداف ثقافية وفنّية ان يعيش دون دعم.
الهاتف: 71894313
ـ قرية «كان» ببوفيشة لباعثها صلاح الدين السماوي، وهو فضاء ثقافي بيئي سياحي يهتمّ بتأهيل التراث وبالهندسة وبالمهن التقليديّة (نسيج، فخّار...). وفي مداخلته تحدّث صلاح الدين السماوي عن  الصعوبات التي يعترضها فضاء «كان» بعدما اصبح محل تصفية قضائية ومهدّدا بالبيع بسبب تراكم الديون. ودعا صلاح الدين السماوي المثقفين التونسيين الى الدّفاع عن كينونة هذا المشروع وهو أوّل مشروع اعتنق السياحة الثقافية.
الهاتف: 98319482
ـ «برج القلال» بصفاقس الذي تديره عايدة الزحاف التي تحدثت عن تجربة البرج بعد أن أصبحت الأبراج القديمة مهدّدة بالاندثار.. وقامت جمعية أحبّاء الفنون التشكيلية بالاتفاق مع صاحب برج القلال لاستغلاله في المجال الثقافي وذلك منذ سنة 2008. يحتضن «برج القلال» لقاءات موسيقية وتظاهرات ثقافية مختلفة ويتّسع وسط البرج لـ170 شخص بإمكانهم متابعة مختلف العروض الفنّية.
الهاتف: 74618520
ـ «مدار قرطاج» لصاحبته رجاء بن عمار. تولى منصف الصايم تقديم الفضاء وتجربة مسرح «فو» الذي نشط في التياترو الى غاية سنة 1990، ثم انتقل الى قاعة سينما عليسة بقرطاج. وهنا تعرّض الصايم الى الصعوبات التي سبقت ترميم فضاء «مدار قرطاج» والحصول على تمويل واخراج شعبة التجمّع من الفضاء، ويتضمّن «مدار قرطاج» فضاءات تحتضن أنشطة موسيقية وسينمائيّة ومسرحيّة.
الهاتف: 71275210
 ـ «سيني فوق» بالكرم للمنصف ذويب، تولت سعاد بلّعج تقديم الفضاء الذي تمّ تدشينه سنة 2013، وهو عبارة عن قاعة سينما تمّ بناؤها سنة 1948 وظلّت مغلقة طيلة 20 سنة،  وأصبحت اليوم بعد أشغال ترميم واسعة فضاء متكاملا يحتضن العروض السينمائيّة والمسرحيّة فضلا عن ورشات للمسرح.
الهاتف: 71277312
ـ فضاء «أيكار» بالعمران لعادل بوعلاق الذي تمّ انشاؤه سنة 2008، الفضاء موجود بنهج باب العسل مساحته 200 متر مربّع، ويحتضن أنشطة ثقافية مختلفة: مشروع أجراس، مكتبة تضمّ 5 آلاف عنوان ونادي موسيقى ورواق فنّي ومقهى. وأشار بوعلاق الى انّ فرقة أجراس اختتمت الفوروم الاجتماعي في الهند سنة 2004.
الهاتف:71958337
ـ فضاء «مسرح الحمراء» لصاحبه عز الدين قنون. قدمت الفضاء الفنانة ريم الحمروني التي قالت انّ قاعة الحمراء من أقدم قاعات السينما في تونس (1922)، وفتح قنون أبوابها من جديد سنة 1985، ثم تمّ اغلاق الفضاء بعد ان كتب قنون مقالا نقد فيه المندوبين الجهويين. وانطلاقا من سنة 2001 احتضن «مسرح الحمراء» عدّة أنشطة ثقافية فضلا عن المركز العربي الافريقي للتكوين والبحوث المسرحيّة وورشات تكوين  في فنون الركح ونادي للسّينما.
الهاتف: 71320734
ـ جمعية «الفنون والسينما والمسرح في الكاف» لباعثها سليم مقري الذي قال انّ الجمعيّة بصدد تأهيل مسرح جيب يتسع لـ160 شخصا، وقال مقري انّ الفضاء تعرّض لمحاولة حرق من قبل متشدّدين مضيفا انّ قاعة سينما «سرت» الشهيرة بيعت بـ12 مليون وأصبحت مبيتا جامعيا. وذكر مقري انه يسعى جاهدا لكي يحتضن مسرحه نوادي سينما وورشات لتكوين الشباب في المسرح والسينما.
الهاتف: 98769162
ـ فضاء «الأغورا» بالمرسى لصاحبه محمد علي العقبي، وهو فضاء ثقافي جديد فيه قاعة سينما تتّسع لـ100 شخص وفيه ايضا رواق فنّي ومقهى ثقافي. وقال العقبي انّ كلفة ترميم الفضاء بلغت قرابة المليار من مليماتنا. 
الهاتف: 71747266
ـ «الهنقار» بقفصة لفيصل حمدي، وهو فضاء يحتضن التظاهرات الثّقافية ومنها خرجة استقبال موسم الزيتون ومعارض مختلفة. وقال فيصل حمدي -الذي تعرّض لمسيرته في شركة فسفاط قفصة ثم في مندوبية الثقافة- انّه يسعى لبعث مسرح للفروسية في قفصة.
الهاتف: 22241893
ـ مسرح «الزندالة» بسوسة لباعثه الحبيب الزرافي، وهو مسرح للأطفال فتح أبوابه سنة 2012، و«الزندالة» هي المكان الذي يخزّن فيه الزيت. ينظّم مسرح «الزندالة»  ورشات للأطفال ويهتمّ بمسرح الطفل والعائلة. أنجز عدّة مشاريع لقت دعم منظمات دولية.
الهاتف: 98615548
ـ مسرح «كورتينا» بالقلعة الكبيرة لباعثه محمد علي سعيد. تمّ افتتاح المسرح في 2 مارس 2014، ويضمّ الفضاء قاعة سينما مهيأة لاحتضان عروض مسرحية وتظاهرات على غرار أيام كورتينا لمسرح الطفل ومهرجان سوسة لأفلام الشباب. وقال سعيّد انه اكترى الفضاء من مركز النهوض بالمعوقين مضيفا انّ قرابة 50 طفلا يواضبون على عروض كورتينا.
الهاتف: شركة رؤى للانتاج الفنّي: 98591987
ـ مسرح «مينرفا» بسبيطلة لصاحبه مقداد الصالحي، المسرح موجود بحي شعبي في سبيطلة وتحديدا في حي الملاجئ، فيه مسرح جيب يتّسع لـ50 مقعدا. انطلق الفضاء في النشاط سنة 2010 ويحتضن عدة تظاهرات منها أيام مينرفا لخيال الظلّ وعروض التروبادور فضلا عن عدّة أعمال مسرحية انتجها ومنها «الصرار والنملة» و«طش ورش». وتتمثّل مداخيل المسرح في منحة الوزارة الى جانب مداخيل العروض.
الهاتف: 97251226
ـ فضاء «مسار» بالعمران لصاحبه صالح حمودة الذي قال انّ الفضاء دأب على احتضان عدة أعمال مسرحية وسينمائيّة فضلا عن ورشات لأفلام التحريك ولكتابة السيناريو وحلقات نقاش واصدار كتيبات. وقال حمودة انّه حلم مع عدد من الأصدقاء ببعث فضاء للتمرّن يكون موجودا في قلب أحد أحياء العاصمة..
وبفضل دعم صديقه لطفي معاوية ووالده اكترى حمودة «قراج» حوّله الى فضاء ثقافي يحتضن أنشطة فنّية ومهرجانات مثل «براعم مسار» لانتاجات الأطفال و«حومتنا فنانة» وعروض مجموعة مسار الموسيقية.  وشدّد صالح حمودة على علاقة الفضاء بالحي قائلا انّ المتساكنين يرتادونه و«يدافعون» عنه.
الهاتف: 22561004
ـ «سينما الحمراء» بالمرسى لابراهيم اللطيف، وهي قاعة سينما فتحت أبوابها منذ 6 سنوات وتتسع لـ400 مقعد.  وذكر اللطيف انّ القاعة كانت ستغلق أبوابها قبل ان يصبح مسؤولا عن برمجتها. ويقدّم «سينما الحمراء» برمجة سينمائيّة متواصلة على مدار العام فضلا عن تنظيم أيّام السينما الأرجنتينيّة والبولونيّة وكذلك عروضا لتلاميذ المعاهد.
الهاتف: 71980960
ـ فضاء «الآرتيستو» لباعثه غازي الزغباني، فتح الفضاء أبوابه في ديسمبر 2010 بنهج دمشق بجهة البلفيدير بالعاصمة. وسرد الزغباني الصعوبات التي اعترضته في بداية الطريق خاصّة انّ الفضاء كان مطعما ولم يكن من السهل تحويل صيغة استغلاله. يحتضن فضاء الآرتيستو عروض مسرحية وموسيقيّة مختلفة، وانتجت شركة الآرتيستو عدة أعمال منها «سوايع» و«الطرح» و«وزن الريشة» و«عودة نهائية» وغيرها..
الهاتف:  99085225
ـ فضاء «نجمة الشمال» بتاجروين ـ الكاف لصاحبه رمزي الجبالي. الهاتف: 50787980
ـ فضاء «نجمة الشمال» بالعاصمة لصاحبه نورالدين العاتي.
ـ قاعة سينما الريو بالعاصمة لصاحبها الحبيب بالهادي.
ـ قاعدة المونديال لصاحبها محمد دريس.
شيراز بن مراد

الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

معرض «الغولة» للناصر خمير: «لو فجّرنا كنوز ثقافتنا، لما أمست ديارنا ديار حرب»

من منّا في طفولته، لم يستمع الى حكايات الغولة المخيفة التي كانت ترويها الجدّات والأمّهات لتحذير اطفالهنّ من هذا السلوك أو ذاك؟ لكن ما هو مصير «الغولة» اليوم وأين اختفى هذا الإرث اللغوي الذي عمّر خيال أجيال وأجيال من الأطفال التونسيين؟
حول «أسطورة الغولة»، قدّم الفنان الناصر خمير معرضا احتضنته قاعة الأخبار بالعاصمة طول مدّة أيام قرطاج السينمائيّة. ويطرح المعرض الذي ينقل تجربة الناصر خمير مع المخيال التونسي، العلاقة الموجودة لدينا بين الموروث الشفوي والصورة، بين العادات والحداثة.
ينفتح المعرض على لافتة تتضمن مقولة لحمادي الصيد جاء فيها ما يلي: «متى نفهم انّ الخلاص من كل أزماتنا يتوقّف على تجديد ثقافتنا» في اشارة لضرورة الوعي بثراء مخزوننا الحضاري وبأهمية مجادلته وتجديده لأنه يشكّل هويتنا وأحد أبرز مقوّمات ذواتنا.
ويشمل معرض الغولة مجموعة من الصور العملاقة التي تجسّد «الغولة» في تجلياتها المختلفة، فهذه «غولة» خطفت طفلا صغيرا، وهذه «غولة» التهمت عددا من الدجاج والخرفان، وهي لوحات شارك في رسمها بعض أفراد عائلة الناصر خمير سنة 1974 بمنزله الكائن بجهة قربة.
وسعى خمير من خلال هذه التجربة -مثلما ذكره رسام القرافيك محي الدين لبّاد- الى تفجير الكنوز المخبّأة فينا: كنوز الحضارة العربيّة الاسلاميّة المختزنة فضلا عن تفجير ملكة الخيال والابداع التي تتميّز بها هذه الحضارة، والتي طمسها مجتمع الاستهلاك وعاداته المكتسبة عن الثقافات المستوردة. 
ويرى خمير ان اللقاح الحقيقي لمجتمعاتنا يكمن في معرفة حقيقية للتراث لأنّه الأداة التي تُعين على بناء الذات والوصول الى مرتبة تجعلك تتفاعل مع الانسانيّة كاملة ولاتعيش كالقطيع.. فلو رُبّي اطفالنا بالحسّ والمذاق والفكر لما تردينا الى هذا الحضيض وما أمست ديارنا ديار حرب.
وتكشف الرّسوم والمخطوطات التي عرضها خمير كيف يمكن ان يكون الإرث والتقاليد منطلقا للابداع، وكيف يمكنها ان تقدّم لأبنائنا ثقافة مرتبطة بماضينا مما يجعلنا نتجنّب موتا انتروبولوجيا مؤكدا قد تنتج عنه هويات قاتلة او قد يدفع نحو اهمال هذا الارث. 
فعندما يكون هناك موت أنثروبولوجي، يقول خمير، ينقسم المجتمع إلى جزئين: أولئك الذين لا يكترثون للأمر معتبرين ان إندثار الموروث لن يغير في الأمر شيئا، وهذا يُعدّ في نظره إجراما، وفي المقابل هناك شق ثان يدعو الى العودة الى الجذور ولكنه يقتصر على الجانب الديني مع إلغاء تام للموروث الثقافي، وهو ما يزرع ثقافة الموت. وبين هذا وذاك، هناك عمل غيبناه ويتمثل في تجديد موروثنا الحضاري حتى بتنا نعيش بين فكي ثقافة الموت ومجتمع الاستهلاك. ويواصل خمير: «لنكن صريحين مع أنفسنا: ليس هناك حرية دون إبداع حقيقي».
والى جانب اللوحات، تضمّن المعرض عددا من الكتب التي نشرها الناصر خمير ومنها كتاب «حكاية الغولة» الذي صدر سنة 1975 عن دار ماسبيرو للنشر بفرنسا، ثم كتابه «شمس بين حيطين» الذي ضمّ مجموعة من الروايات التي روتها له والدته «أم الخير»، وكتاب «شهرزاد» و«حكمة الاسلام» وغيرها من الكتب الموجهة للأطفال.
ونعتقد انّه كان حرّيا بوزارة الثقافة ان تُبقي على هذا المعرض لفترة أطول من أسبوع، فمجهود ابداعي من هذا القبيل كان يمكن ان يدوم أكثر في «الحبيب بورقيبة» الشارع الرئيسي للعاصمة الذي غابت عنه الثقافة ونخرته المقاهي ومحلات الأكلة السّريعة.

شيراز بن مراد

في الدورة 25 لأيّام قرطاج السينمائيّة: تتويج السينمائي الناصر خمير بالتانيت الذهبي

توّج السينمائي الناصر خمير في الحفل الاختتامي للدورة 25 لأيام قرطاج السينمائيّة بالتانيت الذهبي تكريما لمسيرته السينمائية الغزيرة بالأعمال والتي تعدّ قرابة الـ15 فيلما منها «الهائمون في الصحراء» (1984) و«طوق الحمامة المفقود» (1991) و«بابا عزيز» (2005) و«شهرزاد أو الكلام ضدّ الموت» (2011) و«البحث عن الشيخ محيي الدين» (2012) و«من أين نبدأ؟» (2014).
واعتبر المستشار الفنّي للمهرجان اقبال زليلة ان في تكريم الناصر خمير مصالحة مع ذواتنا، حيث يمكننا اختزال سينما خمير في تلك اللقطة من فيلمه «بابا عزيز» حيث نرى الأمير باحثا عن صورة لروحه في انعكاسات الماء، وفي هذه الصورة دعوة لإعادة التفكير في تموقعنا في العالم وضرورة التصالح مع ذواتنا.
إذ يكمن موطن ضعف العالم العربي، وفق نظرة خمير، في انعدام تأصله في ميثولوجيا ينهل منها، ممّا يحدث شرخا بين الماضي والحاضر ويدفع بالمجتمعات العربية نحو نمط حياة يقوم علي الاستهلاك بعيدا عما يعج به مخزونها الحضاري.
وعادة ما تطرح أفلام الناصر خمير تيمات وقضايا ذات علاقة بالحضارة العربية، فيسائل المخرج معاني اللغة العربية وجماليتها في فيلم «رفقة اندري ميكال»، ويُبحر مع المعجم الحبي في «ياسمينة واسماء الحب الستون»، وهو فيلم يرسم انحدار الأوطان العربية في منعرجات الفراغ وتهميش الإرث العربي الإسلامي وذلك منذ سقوط قرطبة.
أما فيلم «بابا عزيز» فيصوّر حالة التيه والضياع الروحي التي أصابت العرب، بينما يقتفي خمير في فيلم «البحث عن الشيخ محيي الدين» أثر واحد من أهم أعلام التصوّف الإسلامي وهو الشيخ محيي الدين ابن العربي (1164 ـ 1240) الذي ارتقى بحبّ الآخرين الى منزلة الدين.
ويقول خمير: «منذ أوّل فيلم لي وإلى غاية اليوم، اخترت العمل على الثوابت التي تقوم عليها سماؤنا حضاريا، كلّ أعمالي تبحث عن كلاسيكية فنية وجمالية لأنّني أعتقد أن بناء ما يشابهنا يستدعي منا الرجوع الى الثوابت. همي يتركز على بناء هذه الثوابت بالصورة، فهذا غير موجود. الصورة هي تكوين حضور آني يمسّ كل إنسان في أيّ مكان، هذه هي الحداثة، أي أن تعطي الآخر المختلف ادوات تواصل من منطلق المشترك الإنساني وأن تكتبه بلغتك وأدواتك ومراجعك».
وروى خمير خلال تكريمه في المسرح البلدي قصة الفداوي الذي كان يجلس في مدخل المدينة العتيقة ليحكي قصصا من الماضي التليد، وبعد مرور سنين، سأله خمير لماذا تواصل قصّ نفس الروايات، فأجابه الفداوي:«أواصل القصّ حتى لا يُغيرني العالم». وهي حكاية تكشف مغزى التمشي الفني للناصر خمير سواء كان ذلك في السينما او في الرسم أو في النحت أو في الكتابة.
شيراز بن مراد
تصوير: أيمن الزناقي

في "مرّ وصبر": السهيلي يصوّر الشبق والإحباط والوجيعة في بدائيتها الأولى

بعيدا عن النهايات الهوليودية وعن الانتصارات السينمائية السخيفة، رسم المخرج نصر الدين السهيلي في فيلمه الجديد «مرّ وصبر» والذي عرض في إطار الدورة 25 لأيام قرطاج السينمائية، مشهدا سينمائيا موسوما بندوب الحياة وبجراحها الصغيرة كما الكبيرة.
ففي "وكالة" بأحد الأحياء الشعبية، تعيش صالحة النصراوي وابنها المعاق وطليقها منير الذي طرد من الجيش (عاطف بن حسين) والكفيف توفيق الغربي والمجنونة نجوى ميلاد والصبّاغ محمد علي دمّق. في هذا الفضاء الضيق، تزدحم الحياة بأوجاعها اليومية قبل أن تحلّ ساكنة جديدة، وهي طالبة لم تتمكن من التحصل على مبيت جامعي (مريم الصياح)، تأتي لتعزّز آلام هذا الفضاء بآلام جديدة وفقا لأقدار لا يعلم بخفاياها إلّا الغيب.
 ومن خلال هذه العيّنة من الشخصيات، يحاول نصر الدين السهيلي رصد ملامح "فوضى انسانية" يُستعصى فهم أسرارها، فهذه صالحة النصراوي تضطر للرقص في ملهى ليلي لتُعيل ابنها الصغير، وهذا عاطف بن حسين يبيع جسده لصديقه بلبل (إبراهيم زروق) لتوفير شئ من المال، وهذه براءة الطالبة مريم الصيّاح تتدعثر في عالم غريب الأطوار.
 ويدفع المخرج بالمتفرجين الى قلب العبثية، عندما يصوّر قصة الحب المستحيلة التي جمعت منير (عاطف بن حسين) بـ (مريم الصيّاح)، فكيف لقصة حبهما أن تنجح وهما محاصران ماديا ومحاطان ببحر من المشاكل والعوائق؟ وكيف لهما أن يحبّا بعضهما في هذا الزمن الوغد؟
بحسه الثائر الذي يرفض المهادنة، تمرد السهيلي على "المتفق عليه" فإقتلع القشور ليظهر النسغ الحي وما يعتمل في الدواخل من أحاسيس ضارية بالرغبة وبالعجز وبالألم، فصوّر الشبق والإحباط والوجيعة في بدائيتها الأولى، تلك التي لا تترك مجالا للنفاق او للخداع.
ويطرح السهيلي هكذا عدة قضايا اجتماعية ومنها قضية التهميش الذي يحكم على الفرد في مجتمعنا بأن يبقى أسير وضعيته الاجتماعية البائسة دون أيّة امكانية للتحسين، وقضية حرية الجسد والمواضعات الاجتماعية فضلا عن تيمة الحب، هذا الشعور المفعم الذي تصيبه ظروف الحياة القاسية بسهام المرارة.
 ويوجّه السهيلي عبر فيلمه رسائل عديدة الى من اختاروا تجاهل مشاكل البلاد وطمس أنّات العباد. فكيف للانسان أن يعيش بكرامة إن لم يتمكن من إيجاد مورد للرزق، وكيف له أن يكون مرتاح البال إذا كانت حرّيته الجسدية محدودة، وكيف له أن «ينجح» إذا لم تتوفر السّبل لذلك؟
ويمكن القول إن خيار «الوكالة» كفضاء للتصوير لم يكن اعتباطيا بما أنّه يرمز لهذا الفضاء المصغر الذي يجمع عيّنة من الحالات الاجتماعية التي تعاني في صمت بعد أن لفظها المجتمع، وقد بات الماخور والملهى الليلي يمثلان مُتنفسيها الأساسيين ومصدرا لرزقها.
 ولئن اتسمت شخصيات السهيلي بغياب الشاعرية بحكم ظروفها الاجتماعية القاهرة، فإن الفيلم طُبع في مجمله بشاعرية رقيقة بفضل طريقة تصويره وموسيقاه (أدار التصوير على بن عبد الله وأعدّ الموسيقى ربيع الزموري) حيث يلج المتفرج إلى عوالم السهيلي الخلفية من خلال الاضواء والالوان والالحان التي رافقت كل مشاهد الشريط وأعطته طابعه الخاص.
 كما لا يمكن ان نغفل على الأداء المميز للممثلين والذي أعطى للفيلم كل قوته، ونذكر بالخصوص أداء عاطف بن حسين الذي كان فجّا، محبّا، سكيرا، عنيفا، ضعيفا، ومزج بين طباع الرجل صعب المراس والرجل حبيس وضعيته، فضلا عن أداء صالحة النصراوي التي جمعت بين الرجولة والانوثة وقد ذابت فيها هذه الصفات لتُشكل هي الاخرى حالة اجتماعية صعبة المجاراة لما فيها من قوة ورقّة في نفس الوقت.
ونحن نغادر قاعة العرض، همست احدى الشابات لمرافقها قائلة إن مخرج الفيلم لا يمكن إلّا أن يكون «مجنونا» ليتطرق لمثل هذا الفوضى البشرية، وهي فوضى صوّرها نصر الدين السهيلي بالقدر المستحب من الجنون، جنون عالم فاقد للصواب، مضطرب، داكن الصباحات والامسيات، استبيحت حقوق ناسه حتى أضحت أبسط الامنيات مستحيلة التحقيق، كأن تحبّ، كأن تجد شغلا، كأن تداوي ابنك المريض، كأن تصعد الى أعلى الصومعة وتقول «أنا إنسان، أنا حرّ».
رقصة أقدار موجعة هي التي صوّرها نصر الدين السهيلي في «مرّ وصبر»، موجعة بما يُعانيه أبطاله من ضياع ومن إحساس بالعجز على الخروج من المتاهة التي وضعتهم فيها الحياة. رقصة ضارية عنيفة لم يسع فيها السهيلي الى تنميق الكيانات وتجميلها بقدر سعيه الى نقل صورة فجّة ومعبّرة لمعاناة من يجدون أنفسهم حبيسي حلبة إجتماعية ضيقة قوامها التهميش والحرمان.

شيراز بن مراد

السينمائي سهيل بيوض يسلط الأضواء على معاناة "أولاد دج دج"

«رانا توانسة، لكن ما جانا حدّ»... من الجمل المعبّرة التي جاءت في فيلم «دج دج ولد الشعب» للمخرج سهيل بيوض والذّي سلّط فيه الضوء على أحد الأحياء المهمشة بجهة جبل الجلود... تمرّ الأيّام وتأتي الانتخابات وتتغير الحكومات والرؤساء والوضع هو نفسه في «دج دج» هذا الحي المنسي الذي لا يبعد سوى 3 كيلومترات عن العاصمة تونس.
تتوالى الشهادات في هذا الفيلم الوثائقي القصير الذي انتجته جمعية «فورزا تونس» لتؤكد حالة التهميش التي يعاني منها الكبار كما الصغار... يتكلم أحدهم فيقول: «نحن منفيون! شعملنالكم؟» ثمّ يأخذ الكلمة شاب آخر فيقول: «رانا ولاد تونس، ماناش ولاد ليبيا ولا الجزائر»..
ويشتكي حي «دج دج» من غياب المرافق التي يمكن أن تضمن العيش الكريم فضلا عن نسبة البطالة المرتفعة وصعوبة أوضاع التلاميذ الذين يفتقرون الى ميدعات جديدة والبسة مختلفة ممّا يجعلهم يبقون على الهامش..
وتكلم مواطن آخر فقال: «أريد أن اقول للرئيس القادم: فيق بالزوالي الذي أصبح غير قادر على إطعام عائلته».
وتتجول كاميرا سهيل بيوض بين أنهج «دج دج»، فلا طريق معبد، ولا نادي ثقافي للأطفال ولا فضاءات خضراء وهكذا تظلّ أحياء عديدة محيطة بالعاصمة تعاني من الإقصاء الاجتماعي ومن التهميش الاقتصادي من غير أن يلتفت إليها أي مسؤول، فهل تتغير الأوضاع مع الحكومات القادمة أم ستظل تونس تهمش فئات من أبنائها؟
كلّنا أمل في أن يتفاعل المسؤولون مع أوضاع «دج دج» وأن تعي الحكومة القادمة بضرورة الاهتمام بقفة المواطن فضلا عن دعم الاستثمار وتوفير مواطن شغل مع إيلاء الجانب الثقافي الأهمية التي يستحقها..
فكيف للتونسيين أن يعيشوا بكرامة إذا لم يتوفر الشغل والمرافق الصحية والرياضية الى جانب المحيط الثقافي الذي يدفع نحو التسامح والانفتاح على الآخر وحب الحياة؟

شيراز بن مراد

الاثنين، 17 نوفمبر 2014

الروائي كمال الرياحي في ورشة أدبيات الحوار الثقافي: الحوار قطعة أدبية مكتملة الذات

"الحوار مثل مزهرية الجدّة تساوي ثروة لكن لا احد يعرف أين يضعها" هكذا وصف الكاتب قابريال قارسيا ماركيز الحوار الصحفي الذي شكّل محور ورشة نظمها الروائي كمال الرياحي في دار الثقافة ابن خلدون يوم الجمعة 07 نوفمبر 2014 واستضاف فيها الروائي الليبي محمد الأصفر والشاعر التونسي جمال الجلاصي.

وللولوج في عالم "الحوار الثقافي"، إنطلق الكاتب كمال الرياحي من تجربته الشخصية قائلا انه دخل الصحافة بحكم هويته ككاتب ولافتا النظر الى الفقر الملحوظ في الصحافة الثقافية على المستوى العربي ماعدا لبنان وعدد من العناوين الكبيرة. واضاف كمال الرياحي انه ليس هناك ثورة كاملة دون ثورة ثقافية، مشيرا الى أنّ تثوير المشهد الثقافي يجب أن يتم من الداخل وبمواجهة المشهد بمشاكله.
الحوار.. عصب أساسي في المادة الثقافية
وقال الرياحي إنّه أجرى حوارا مع الكاتب محمود طرشونة بعدما لاحظ غياب نص "الكفارة والرحمة" للمسعدي من كتاب "أيام عمران" الذي اهتم فيه طرشونة بجمع أعمال المسعدي، ومن خلال هذا المثال  أبرز الرياحي أهميّة الحوار للأدب وللتاريخ. كما تحدث المحاضر عن تجربته مع عدد من المجلات العربية مثل مجلة عمان الثقافية التي تصدر من الأردن والتي نشرت له مجموعة هامة من "الحوارات النهرية" تقفية على الروايات النهرية.
وقال الرياحي إن الحوار يمثل عصبا أساسيا في المادة الثقافية مستشهدا بجيرار جينيت صاحب كتاب "العتبات" والذي يتنزل فيه الحوار ضمن أهم عتبات الأدب. وفي هذا السياق، يقول جينيت إن قراءة حوارات الكاتب تمثل عتبة هامة لفهم تجربة الكاتب الأدبية ولعل مقولة ماركيز حول الحوار تعطي فكرة حول أهمية الحوار وخطورته.
حسنين الهيكل.. أشهر محاور في العالم العربي 
وشدد كمال الرياحي على أهمية المحاور معتبرا أن المنبر المحترم يقوم أساسا على "المحاور" وهو هوية حقيقية مثله مثل المفكر والمخرج والروائي. واستشهد كمال الرياحي بالمحاور الأشهر في العالم العربي وهو الصحفي المصري حسنين الهيكل، وقد جاءت شهرته من لقاءاته الصحفية بشارلي شابلن ووينسون شرشل وغيرهما.. ولذا أكد المحاضر على أهمية تكوين الصحفي المحاور الذي يجب أن تتوفر فيه مهارات معينة مناديا بتكذيب ماركيز الذي كان يرفض -كأديب كبير- إجراء مقابلات صحفية متعللا بضعف مستوى محاوريه.
ولتبسيط  الصورة، ذكّر الرياحي بمختلف الأجناس الصحفية على غرار التقرير والتحقيق والحوار، مشيرا إلى التفاعل الذي يمكن أن يحصل بين هذه الأجناس. وبخصوص الحوار، قال الرياحي انه عصب أساسي في المادة الإعلامية، وهو فن يقوم على الحوار بين الصحفي وشخصية عامة. ومن أهداف الحوار الحصول على أخبار أو معلومات جديدة، كما يمكن أن يرمي الحوار إلى شرح وجهة نظر أو تصوير جوانب غريبة أو مسلية عن شخصية ما.
مؤلفات إهتمت بالحوار
وفي هذا الصدد، قدّم الرياحي نماذج لمؤلفات اهتمت بالحوار على غرار "الحوار" لمحمد شكري والذي أجراه معه يحي بن الوليد وزبير بن بشتة ونشر نصه الكامل على 10 حلقات في جريدة القدس العربي، أو "مكان تغمره الخصوصية" أو " اعترافات في الثمانين" لهنري ميلر أو السلسلة التي حاور فيها الرياحي عددا من الأدباء والمفكرين على غرار "هكذا تحدث واسيني الأعرج" و"هكذا تحدث نصر حامد أبو زيد" والذي سيصدر قريبا عن دار كارم الشريف للنشر، فضلا عن "هكذا تحدث فيليب لوجون".
وقال الرياحي إنّ الحوارات يمكن أن تحدث دفعة واحدة وأيضا على مراحل حيث يمكن للصحفي أن يجري حوارا «بالحزم» أي بحزم من الأسئلة يبعثها الي ضيفه على مراحل..
 لماذا تُجهض المشاريع الجيدة في تونس؟
وفي ما يخص الساحة التونسية، لاحظ الرياحي أنّه من الأسف أنّ المشاريع الجيدة تجهض في مهدها، وضرب مثال سلسلة «أبعاد» قائلا إنّها من أروع المشاريع في مجال الحوارات الأدبيّة، وكانت هذه السلسلة صدرت عن دار البستان وأشرف عليها أحمد الرمادي، ومن الحوارات التي تمّ نشرها قبل توقف السلسلة حوار مع الأب جون فونتان مدير إيبلا والرسام حاتم المكي..
مع الضيف الليبي محمد الأصفر: بين الفرحة والخوف
ثمّ تواصل اللقاء بمحاورة الروائي الليبي محمد الأصفر، واستعرض الرياحي عددا من مؤلفات الضيف على غرار «عسل الناس» و«شرمولة» و«تقودني نجمة» و«سرة الكون» و«ثوار ليبيا الصبورون»، قبل أن يطرح عليه عددا من الأسئلة تطرقت لرواية «فرحة» التي صدرت مؤخرا ترجمتها باللغة الإسبانية، وذكر الأصفر أنّ مؤلفه تطرق الى الفرحة أو بالأحرى الى شخص مات من الفرحة، ولذلك فإنه إستيقظ، لكن السلطة لا تريد لها فتخصص له مخبرا وتقرر ملاحقته بغية القبض على الفرحة وتجزئتها وتوزيعها على عدّة بلدان للتحكم في مزاج الناس...
ومن «فرحة»، إنتقل المحاور الى كتاب «ثوار ليبيا الصبورون»، وبيّن الأصفر أنّه رصد في مؤلفه هذا، الأشهر الثلاثة الأولى للثورة الليبية عندما كانت الأحاسيس جياشة وكان الشعب الليبي كتلة واحدة لا غرب ولا شرق قبل أن تنطفئ الشعلة وتضيع الثورة. وقال الأصفر إنّ كتابه تسجيل لموقفه من الثورة. بينما تطرق الرياحي الى تيمة «فقدان الخوف»، فكيف سيعيش المواطنون دون خوف بعد رحيل نظام القذافي؟ وتساءل االرياحي هل ما نراه الآن في ليبيا هو نتيجة للبحث عن الخوف، بمعنى أنه لابد من إعادة النظام الديكتاتوري؟
حول الحوار، مراحله وأسئلته ومهارات المحاور
بعد ذلك، وضّح كمال الرياحي مراحل إنجاز الحوار كقطعة أدبيّة وهي 3 مراحل:
ـ قبل الحوار: الاستعداد
ـ اثناء الحوار: إدارة الحوار
ـ بعد الحوار: تجهيزه للنشر
وفي هذا السياق بيّن الرياحي أنّ الصحفي المحاور عليه أن ينكب خلال فترة الاستعداد على عدّة مصادر والتشبع بها على غرار المنتج والحوارات السابقة والتصريحات والسيرة الشخصية.. ولفت الروائي النظر الى المساحة التي ستخصص للحوار في الصحافة المكتوبة لأنّ ذلك يؤثر على دقة الاسئلة وجودتها مؤكدا في نفس الوقت على أنّ الحوارات القصيرة يمكن أن تكون ممتازة.
ومن الجوانب الأخرى التي تطرق إليها الروائي كمال الرياحي، هيئة المحاور كهندامه وثقته في النفس، ونوّه الرياحي بأهميّة الإغراء المعرفي وكاريزما المحاور فضلا عن الحرفية وعدم التسرع والتيقظ الذي يفتح الباب للأسئلة التفاعلية، وهنا لفت الرياحي نظر الحضور الى نقطة هامة ذات علاقة بفضاء الحوار، فإذا انعقد الحوار في مكتب أو بيت الضيف، فيجب إيلاء أهمية إلى تفاصيل محيطه القريب والتي يمكن ان تستعمل في مقدمة الحوار على سبيل المثال.
وعرّج الرياحي على الاسئلة التي يجب تلافيها من قبيل «صف شعورك» معتبرا أنّ الاسئلة يجب أن تتجاوز السطحية وتكون مبيّنة على الإطلاع، مضيفا أنّ هناك نوعية أخرى من الاسئلة وهي الأسئلة الاستفزازية التي تتطلب الحرفية والذكاء، وكذلك الأسئلة المحرجة التي يجب السهر على حسن توقيتها. كما فصل المحاضر بين الاسئلة الذكيّة والغبيّة خالصا الى أن المحاور السيء هو الذي يريد أن يُجهض على ضيفه فيكون سطحيا، مترددا مستفزا بطريقة وضيعة، أمّا المحاور الجيّد فهو الذي يريد أن يبقي ضيفه على قيد الحياة وهو الذي يستفز بلباقة.
مع "الشاعر المؤقت" جمال الجلاصي
وانتهت ورشة أدبيات الحوار الصحفي في حلقتها الأولى بحوار جمع الصحفية ابتسام القشوري بالشاعر جمال الجلاصي صاحب «الأوراق المالحة» و«أعشاب اللغة» و«مقامات الرحيل»  فضلا عن 3 كتب مترجمة الى اللغة العربية وهي «اضراب الشحاذين» لأميناتا ساو فال و«السيد الرئيس» لأستورياس و«الزنوجة» للشاعر السينغالي ليوبول سنغور. وسعت الصحفية الى التعريف بجمال الجلاصي الشاعر من خلال ديوانه «أعشاب اللغة».
وانطلق الحوار بعتبات المجموعة الشعرية حيث سألته المحاورة عن العنوان وصورة الغلاف وعن الإهداء كمدخل للحوار قبل المرور الى تيمات الديوان ومنها المرأة والحرية والموت والوطن. وقد وصف الجلاصي نفسه بـ"الشاعر المؤقت" معتبرا أنّه سارد بالأساس. وأضاف الضيف أنّه يكتب الشعر لأنّه يتوهم صادقا أنّ لهذا الجنس الأدبي قدرة على تغيير العالم لكي يكون أكثر إنسانية.
إثر ذلك فُتح باب النقاش، فأبدى الحاضرون ملاحظاتهم فضلا عن اسئلتهم التي عبرت عن اهتمامهم بالحوار لا كجنس صحفي فقط بل كقطعة أدبيّة مكتملة الشأن لها فنونها وتقنياتها وميزاتها. ويذكر أنّ الحلقة القادمة ستخصص الى الحوار الثقافي في التلفزيون وذلك يوم الجمعة 21 نوفمبر بدار الثقافة إبن خلدون إنطلاقا من الساعة الثالثة.

شيراز بن مراد

عدنان الهلالي: لن نترك تونس بين أيدي الجهلوت

«نحن بحاجة إلى آلات موسيقية وليس فقط لطائرات F16 لمواجهة الذئاب والأغبياء» تعبيرة مجازية ختم بها الفنان عدنان الهلالي عرض مسرحية «زنقرا» على ركح مدار قرطاج يوم الاحد 9 نوفمبر ليؤكد على أهمية الفعل الثقافي في مواجهة التطرف والظلامية.. 
فمن خلال مجموعة من أشعار الفنان البلجيكي جاك برال، خاط عدنان الهلالي نصّا مسرحيّا دار حول شخصية «زنقرا» ذاك الضابط المخبول الذي يثور على الحرب ويشجبها بعد أن حوّل ثكنته الى فضاء مسرحي.. فتراه يرقص ويغني ويلقي الشعر ويجسد حالات تراجيدية وأخرى كوميدية ليعبر عن رفضه لعقلية القطيع ولينادي بالحريّة والانعتاق من قيود عالم جشع بشع لا يطاق..
وقد أفادنا عدنان الهلالي أن مداخيل عرضه المسرحي التي تمثلت بالأساس في هدايا (كتب ومواد رسم وألات موسيقة) سيتمّ نقلها يوم 16 نوفمبر الى مدرسة الحازة الحدودية بحضور عدد من الفنانين والصحفيين وذلك في إطار تظاهرة ترمي الى فكّ العزلة الثقافية عن المناطق النائية والى نشر الفنون والثقافة في المناطق الريفية والجبلية التي تشكو من نقص فادح أو لنقل من انعدام تام للفعل الثقافي..
وفي هذا الصدد لاحظ الهلالي أنه سيسعى إلى تعميم تجربة الحازة 24 ( وهو عدد تلاميذ مدرسة الحازة) على الولايات الـ  24 للجمهورية قائلا إنّّ«في كل ولاية حازّة» في إشارة للتهميش الثقافي الذي تعاني منه أنحاء عديدة من ولايات البلاد..
وبخصوص الأطراف الداعمة لهذه التظاهرة، ذكر الهلالي كلّا من عبد القادر الميساوي الذي وفّر فضاء للمركز الثقافي الجبلي بسمامة وآمن بفكرة بعث نواد ثقافيّة في مدارس المناطق النائية ودعمها، وكذلك الدكتور محمد صالح العمري وهو أصيل الحازة وأستاذ في الأدب المقارن بجامعة أكسفورد، وكان العمري تبرع بمبلغ ألف دينار لمدرسة الحازة حتى يتمكن التلاميذ من المشاركة في مسيرة الزهور التي انتظمت منذ أشهر بالعاصمة.. هذا فضلا عن مدرسة الأمل بحي الرياض بسوسة التي تدعم المبادرة وعدد آخر من الفنانين على غرار السينمائي كريم بلحاج ومريم الرفاعي وآمال شلوف ومالك عمري والشاعر عمار عواينية وغيرهم..
وقال محدّثنا «كفانا خطبا ولنذهب إلى الميدان» في إشارة إلى ضرورة القطع مع اللغة الخشبية التي لا تعمل على نشر الثقافة بصفة عملية، بل على تكريس العروض التجارية والثقافة الموسمية لاغير، وضرب الهلالي مثال الفنان وائل جسار الذي قدم عرضا في القصرين أمام العشرات من الحاضرين مقابل مبلغ خيالي يناهز الـ 80 ألف دينار معلّقا بأنّه كان بالامكان أن ننجز ثورة بهذه الأموال وأن نجعل من الجبل منحلة ثقافية.. وختم الفنان عدنان الهلالي حديثه معنا مستعملا عبارة «برال في الجبال» (ويقصد جاك برال) ليؤكد على أهمية غزو المناطق النائية بالفن والثقافة حتى لا تبقى فريسة بين أيدي الجهلوت والظلاميين.
شيراز بن مراد
تصوير : دليلة يعقوبي