الأحد، 20 سبتمبر 2015

Dans son livre "La route des consuls": L'architecte Adnen El Ghali reconstitue la richesse urbaine et diplomatique de la Médina du 16e au XIXe siècles

L'architecte et urbaniste Adnen El Ghali vient de publier, aux éditions "Les Points sur les i", un livre qui s'intitule "La route des consuls- Les territoires de la diplomatie à Tunis".
 Ce livre, préfacé par Zoubeir Mouhli (Prix Aga Khan d'architecture 2010 et directeur général de l'Association de Sauvegarde de la Médina de Tunis), se propose de reconstituer la richesse urbaine et diplomatique qui se développa au cœur de Tunis dès le16 siècle. Il constitue aussi une invitation, destiné au grand public, pour découvrir l'histoire diplomatique tunisienne. Le premier consulat en Tunisie, nous révèle le livre à titre d'exemple, est celui de Pise et remonte au 12e siècle (1157). Comme tant d'autres consulats antérieurs à la domination ottomane il fut établi en dehors de la ville, le long de l'avenue de la Marine. Ce n'est qu'avec le passage de Tunis sous suzeraineté ottomane que les représentations consulaires furent admises à l'intérieur de l'enceinte de la Médina.
 
 Adnen El Ghali présente son livre comme suit: "Ce livre est au croisement de deux disciplines : l'histoire diplomatique et l'histoire urbaine. Il a notamment pour objectif de révéler au lecteur l'existence de ce monde particulier du quartier franc de la médina de Tunis constitué autour et à partir des représentations consulaires et diplomatiques du moyen-âge au XXe siècle. Ce quartier, dont l'histoire est ignorée, est le témoignage vivant d'un pays multiculturel et risque de disparaître si des initiatives ne sont pas prises mettre en valeur son histoire et ses spécificités. C'est aussi le témoin matériel d'une période faste qui devrait faire la fierté de notre diplomatie où Tunis était une scène de la diplomatie méditerranéenne".
 Par ailleurs, Zoubeir Mouhli considère dans la préface du livre que l’intérêt majeur de l’ouvrage d’Adnen El Ghali se situe dans cette double facette: D'abord une contribution à la connaissance des consulats de la Médina de Tunis. Puis, une restitution de la réalité de ce quartier en tant que territoire de la diplomatie et laboratoire d’inter-culturalité.
Biographie de l'auteur:
Né à Tunis en 1979, Adnen el Ghali a étudié l’architecture, l’urbanisme et l’histoire à Paris, Rome et Buenos Aires. Expert auprès de l’Association de Sauvegarde de la Médina de Tunis, il y a effectué de nombreuses recherches et contribué à des projets régionaux et européens de protection et de mise en valeur des métiers et espaces historiques de la Ville de Tunis. Il intervient régulièrement en qualité de conseiller auprès de diverses institutions internationales et d’organisations tunisiennes de la société civile en matière de communication, de mobilisation de ressources, de montage et de suivi de projets pluridisciplinaires en lien avec la ville, la culture, la population et le développement.
Chiraz Ben M'rad

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

عرض "موطني" لشادي القرفي: طبق موسيقي جميل ومتحرر من كل العصبيات

بين ثنايا النغم الجميل، من تونس أو من فرنسا، من ليالي اشبيلية أو من جزيرة الكنز، من تفاصيل الأيام العابرة أو من عمق الخيال الحالم، استمد الفنان شادي القرفي طاقته الموسيقية ليرسم بطريقته "مشهدية موسيقية" فريدة من نوعها.
"نغم حالم مسافر"، هكذا كان عرض "موطني" الذي قدمه شادي القرفي يوم الأحد 26 جويلية على ركح مهرجان الحمامات الدولي بمشاركة نورالدين الباجي وأسماء بن أحمد وعدد من أمهر موسيقيي الأركستر الفلرموني التونسي على غرار عازف الكمنجة أسامة أنس الرمضاني وبالإعتماد على نصوص شعرية لابراهيم طوقان ومهدي الهميلي وأسامة فرحات.
وخلافا لما يمكن أن يوحي به عنوان العرض، فقد جاء الطبق الموسيقي الذي أعده القرفي متنوعا حضرت فيه الألحان التي تخاطب المشاعر والاحاسيس بعيدا عن الهويات الضيقة التي لا تعترف بالآخر، وقد يكون ذلك هو الوطن الحقيقي، ذلك الذي تنعدم فيه الحدود الجغرافية فيفتح أفاقه على الثراء الكوني بكل ما فيه من حلم وقوة وحزن. ومن خصوصيات عرض "موطني" أنه جمع بين اللحن الشرقي والتراتيل الكنائسية والفادو البرتغالي والجو التونسي في تناغم موسيقي يصعب تحقيقه.
ومن بين الأغاني التي تضمنها العرض، نذكر "يازهرة في خيالي" و"جزيرة الكنز" و"موطني" و"في عيونك نار" التي أداها الفنان نور الدين الباجي، و"يا لور حبك" للإخوة الرحباني و"مع الأيام" كلمات مهدي هميلي (ترجمة لأغنية الفنان الفرنسي ليو فيري) و"حديقة الشتاء" لهنري سلفادور و"تسألني" كلمات أسامة فرحات وألحان شادي القرفي والتي أدتها بتميز الفنانة أسماء بن أحمد. هذا دون أن نسهو عن الآداء الدقيق والمميز لعازفي الأركستر الفلرموني التونسي.
في "موطني"، شدت الموسيقى الحب والوحدة والأحلام والحنين بعيدا عن كل أنواع التفرقة والعصبيات. نعم هكذا هي الموسيقى في بعض الأحيان وهكذا أرادها شادي القرفي أن تكون جميلة وقوية ومتحررة.

شيراز بن مراد

المناضل الحبيب بالغالي: هذه تفاصيل معركة طبلبة 23 جانفي 1952.. ولايمكن ان ننسى فضل هؤلاء

قدّم المناضل الحبيب بالغالي لموقع "الجمهورية" شهادة تاريخية حول الأحداث التي عرفتها مدينة طبلبة بتاريخ 23 جانفي 1952 عندما كانت تونس ترزح تحت الاستعمار.. وممّا أكد عليه محدثنا الدور الذي لعبته مجموعة من الوجوه القيادية في تحرير البلاد من براثن الاستعمار ومنها الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وفرحات حشاد وأحمد التليلي ولزهر الشرايطي وساسي وطاهر لسود معتبرا أنّ مجهودات هذه الشخصيات الوطنية كان لها أثر كبير في تحريك الشارع التونسي وفي صنع ملحمة استقلال البلاد.
وقال الحبيب بالغالي ـ وهو من مواليد 1927 ـ أنّه قضى عاما و7 أشهر في السجن (من 5 فيفري 1952 إلى غاية 23 جويلية 1953) بعد أن وجّه له القضاء الفرنسي تهم «التمرد» و«المشاركة في احتجاجات مسلحة» وذلك عقب تخطيطه ومشاركته في معركة طبلبة التي دارت أطوارها يوم 23 جانفي 1952.
وحول هذه الواقعة التي تشكل واحدة من أبرز الأحداث الدامية التي عرفتها جهة الساحل قبيل الاستقلال والتي اسفرت عن استشهاد 8 مناضلين ومقتل عدد من الجنود الفرنسيين (إذاعة لندن تحدثت عن 8 قتلى وبعض الأطراف عن 70 قتيلا لكن لا يمكن حصر عدد الضحايا بحكم التعتيم الذي فرضته فرنسا)، قال محدثنا إنه كان منخرطا في الشبيبة الدستورية في بداية الخمسينات وقد أمر الحزب بتجديد الهياكل فتم انتخابه كاتبا عاما وسنه آنذاك حوالي 24 سنة، بينما تمّ انتخاب عبد السلام شبيل (رحمه الله) رئيسا وعلية بالفقيه (مريض ربي يشفيه) امين مال وحسن عمار (رحمه الله) كاتبا عاما كذلك.
وأضاف محدثنا قائلا: «خدمنا خدمة كبيرة عام 1951 عندما تمّ تغيير المقيم العام إثر المفاوضات التي أجرتها الحكومة التونسية التي كان مشاركا فيها آنذاك صالح بن يوسف وكان يرأسها محمد شنيق الذي لعب دورا وطنيا هاما.. في تلك الفترة تمّ تعيين حكومة تفاوضية ووعدت فرنسا بالاستقلال الداخلي.. الحزب وافق لكن بورقيبة لم يعط الثقة الكاملة في فرنسا.. وقام حينها بجولة في الدول الصديقة والشقيقة ليبيّن لها الخلاف الذي كان قائما مع الفرنسيين وأنّ التونسيين طلاب حق لا غير».
 هكذا خططنا لمعركة طبلبة
ويواصل حبيب بن الغالي شهادته على النحو التالي: «أنهى بورقيبة جولته يوم 2 جانفي 1952 وذهبنا لاستقباله في العوينة، ومن الغد توجهنا الى بيته الصغير الموجود في رحبة الغنم (معقل الزعيم) وكنا قرابة 15 شخصا.. وخلال هذا اللقاء قال لنا بورقيبة ما يلي: «في هذه الجولة، أزحت من امامكم الشوك والحجر واتصلت بالدول الشقيقة والصديقة التي أكدت أنّ موقفها موال لتونس، ولكن هذا لا يكفي! أنا أبعدت الشوك والحجر وأنتم يجب أن ترموا بأنفسكم أمام المتريوز والمدفع والاّ إلّي مشيتلهم الكلّ باش يقولو هذا «بُلف» متاع بورقيبة»..
اثر هذا اللقاء، عدنا الى مدينة طبلبة وقلنا إنّه يجب علينا أن نقوم بعملية نوعية في مدينتنا... فكرنا أن نضرب الجنود الفرنسيين بـ«المولوتوف» لكن عدلنا عن ذلك معتبرين أنّ هذه الوسيلة لن تعط أكلها... انتبهنا الى أنّ البحارة كانوا يصطادون السمك بالديناميت، فقلنا: «لم لا؟ توجهنا الى البحارة وطلبنا منهم كمية من الديناميت، وكنا آنذاك نسميه «العصبان».. قالوا: لا.. قلنا: لقد فشل المشروع»...
ويردف المناضل الحبيب بن الغالي قائلا: «أحنا هكا ويجينا بحار يقول لنا: أمدوني بالمال وسأوفر لكم ما تبغونه»... أعطينا المال ـ كنت أمين المال وكانت الأموال متوفرة ـ فأحضر لنا 25 كيلو متفرقعات... تساءلنا حينها أين سنضعها، فعائلاتنا كانت ترفض أن نبقي عليها في منازلنا.. توجهنا الى محمد المروّعي شهر «الحڨازي» فوافق على توفير «قراج» لصنع «الذخيرة».
العيايشة والزرنيّة على نفس الخط
ويضيف محدثنا مبتسما: «عندما علم جماعة البحر (ويقصد البحارة) بأنّنا تحصلنا على الذخيرة، وكان هناك خلاف بيننا نحن «العيايشة» وهم «الزرنيّة»، قالوا: نحن كذلك نريد أن نشارك معكم!! إثر ذلك طرح إشكال ثان يتمثل في مكان وضع «العصبان» يوم تنفيذ العملية، فقررنا أن نضعه فوق السطوح وعندما يمرّ الجنود الفرنسيون نضربهم ونختفي... كان علينا حينها التنسيق، فاخترنا مكانا ضيقا من المدينة وبالتحديد شارع بجهة «السفرة» لايمكن أن تمر منه سوى عربتين بالكاد.. وكانت التعليمات التي اعطيناها أن نكتفي باستهداف العسكريين الفرنسيين وبتفادي المدنيين منهم.. لم يكن لنا فنيون ولا شيء من قبيل ذلك (بعد معركة طبلبة سألنا فؤاد المبزع هل كان معنا فنيون وكيف حاصرناهم، فقلنا: «رانا شباب وحدنا»).
 يومها كنا «قادمين على الموت»
وحول اختيار تاريخ «العملية»، يقول الحبيب بالغالي إنّه لم يتم تحديد تاريخ بعينه، بل إنّ الظروف هي التي حكمت، «بلغنا أنّ هناك حركية كبيرة في تونس وأنّ جنودا فرنسيين سيصلون الى المدينة لإلقاء القبض على الوطنيين، ولم يخطر على بالهم إنّنا استعددنا للقيام بعمليّة نوعية هي من أهم ما عرفه مسار الاستقلال من محطات ضاريّة.. أن تضرب الجيش الفرنسي المحتل وهو من أعظم الجيوش، وحتى المخبرين فشلوا ولم يتيقظوا إلى أنّ شبابا قرر الصعود على السطوح للقيام بهذه العملية.. شيوخنا قالوا «قوموا بهذه العملية خارج البلاد، لكنّنا لم نوافقهم.. نسقنا وحدنا .. ما جانا حدّ»... يومها كنا «قادمين على الموت».. بورقيبة كان بمثابة «الرسول» وكان لازمنا نطيعوه».
 الفقر كان ضارب أطنابو والجهل متفشي
وهنا عرّج الحبيب بالغالي على نقطة هامة الا وهي الحالة التي كانت عليها البلاد آنذاك فقال: «البلاد كانت في حالة استعمار.. الفقر كان ضارب أطنابو.. كان مستولي على أراضينا وكانت التجارة بيد الفرنسيين واليهود... كان الجهل متفشي وكان القمل يجري... كان لهذه الظروف أشد الأثر علينا ـ وكنا نردد الأناشيد لشحذ العزائم وممّا كنا ننشده أن «الموت بشجاعة أفضل من المذلة»... ويؤكد الحبيب بالغالي أنّ الظروف القاسية اجتمعت مع الرغبة الجامحة في الاستقلال وهي التي دفعت بالعديد لكي ينخرطوا في هذه المعركة الوطنية..
يوم التحق الشهيد عامر بيوض بالمقاومين دون رجعة...
ويقول الحبيب بالغالي إنّ الواقعة كانت دامية، فقد حامت الطائرات العسكرية فوق المدينة وتولى المناضلون رمي الشاحنات العسكرية التي توغلت في شوارع طبلبة بالقذائف النارية «العصبان» فكان ما كان من مواجهات أسفرت عن مقتل عدد من الجنود الفرنسيين واستشهاد 8 من أبناء طبلبة. وفي هذا السياق استحضر الحبيب بالغالي حالة الشهيد عامر بيوض ابن عبد السلام بيوض قائلا إنّه كان يشتغل بالماكينة، ولما علم بما سيقع غادر شغله، حمل معه سلاحا والتحق بالمقاومين بلا رجعة (رحمه الله)..
آمنة ابراهم ومحبوبة سوسية من بين الشهداء
وبخصوص مشاركة النساء في معركة طبلبة، أفادنا الحبيب بالغالي أنّ النساء لم يشاركن مباشرة في التخطيط أو تنفيذ العملية، إنّما صعدن فوق السطوح لتشجيع المقاومين بالزغاريد وخرجت بعضهنّ إلى الشارع ومنهن الشهيدة آمنة براهم التي «افتكت» البندقية من يد أخيها واطلقت النار، فتلقت رصاصة قاتلة رصاصة أردتها شهيدة على عين المكان.. وتوقف الحبيب بالغالي على حالة أخرى وهي الشهيدة محبوبة سوسيّة التي أطلت من بيتها تزغرد وتشجع المقاومين عندما سمعت القنابل «هابطة» فتلقت هي الأخرى رصاصة قاتلة.. وقال الحبيب بالغالي لايمكن أن نسهو عن وضعية المرأة آنذاك فقد كنا في عام 52 ولا 2000!
مباشرة بعد أحداث طبلبة الدامية أي يوم 23 جانفي 1952 اجتاح 1500 جندي فرنسي المدينة ثمّ وصل عددهم الى 5 آلاف جندي وكانت مهمتهم تمشيط المدينة وترويع المواطنين وزوجات المناضلين بهدف القبض على مخططي العملية والمشاركين فيها وفي هذا الصدد قال الحبيب بن الغالي أنّه ظلّ أسبوعا كاملا يتنقل متخفيا من مكان الى مكان.
رسالة الى شيخ المدينة بدم المقاومين
وقال الحبيب بالغالي إنّ الأجواء المروعة التي عرفتها المدينة لم تثنه ـ مع عبد السلام شبيل ـ على كتابة رسالة بالدّم الى شيخ المدينة جاءت فيها الجملة التالية: «احذر المقاومة وراءكم».. وأضاف محدثنا أنّ أخاه الشاذلي بالغالي أعلمه أنّ مداخل المدينة مطوقة مما دفعه للهروب الى «الحنشية» حيث اختفى في داموس «كذال». ومنه عاد الى منزل والده حيث تمّ إلقاء القبض عليه.. وفي هذا الصدد قال الحبيب بالغالي إنّ الجادرمية قصدوا بيته واستفسروا والده فرج بالغالي عن مكان تواجده فما كان منه الا أن سلّم نفسه، فإمّا «نسلم والدي للتعذيب وإلاّ نسلم نفسي» هكذا حسم الحبيب بالغالي أمره..
«هزوني طول الى العذاب»
وبخصوص المصير الذي عرفه بعد إلقاء القبض عليه، قال لنا محدثنا بصوت خافت: «هزوني إلى العذاب.. إلى العذاب.. هزوني طول إلى العذاب باش نعترفلهم». وبيّن لنا انّه تمّ تحويله مع ثلة من المناضلين الى مركز الإيقاف بسوسة حيث قضى 17 يوما من أبشع ما عاشه في حياته... 17 يوما من البحث والتعذيب بجميع أنواعه قبل أن يتمّ نقله الى السجن المدني بتونس.. وقال بالغالي «عندما وصلنا الى السجن كأنّنا دخلنا الجنة بعد أن كنّا في جهنم»، فأعوان السجون كانوا تونسيين وعلى قدر من الطيبة.. وأضاف أن الإحساس الذي كان ينتابه في السجن هو ان لايلحق على الاستقلال ويعيش في تونس حرّة وذات سيادة.
 دور الشهود والمحامي راؤول بن عطار 
وهنا عرّج الحبيب بالغالي على الدور الذي لعبه محاميه اليهودي راؤول بن عطار والذي كان يحمل الجنسية الانقليزية حيث قال إنّه لولا الضغوطات التي مارسها لكانت العقوبة التي سلطلت عليه أكثر قساوة... كما أشار الى دور الشهود الذين «عملوا معاه المليح» حيث أكدوا أنّه كان موجودا بجهة «شيبة» يوم الحادثة وذلك لنفي تورطه في أحداث طبلبة، وترحم عليهم قائلا إنّه لن ينسى فضلهم مادام على قيد الحياة.
 بورقيبة لم يُعط معركة طبلبة قيمتها
وفي خلاصة اللقاء، أفادنا محدثنا -بأسف- بأنّ بورقيبة لم يُعط معركة طبلبة قيمتها.. «بورقيبة قال إنّه جاب الاستقلال لتونس ولم يعترف بفضل المعارك التي دارت في عدد من المدن... ما يحبش حدّ يتفوق عليه.. لا طبلبة ولا غيرها». واعتبر الحبيب بالغالي أنّ بورقيبة -دون التشكيك في ما قدمه لتونس، فقد كان زعيما عظيما لكن لكل عظيم نقائص- ارتكب خطأين فادحين، أوّلهما عندما قرر الرئاسة مدى الحياة وثانيهما عندما اغتال المعارض صالح بن يوسف الذي قال إنّه كافح وناضل وكان منفيا مع بورقيبة في «سان نيكولا» وخدم الشعب اسوة ببقية المناضلين مضيفا أنّ وفاة صالح بن يوسف شكلت خسارة لتونس.
تعاليق الصور:
- صورة روضة الشهداء بطبلبة
-خارطة معركة طبلبة كما رسمها احد الشهود
- مقطع من جريدة لوفيقارو التي غطت الحدث
قائمة شهداء معركة طبلبة:
ـ محبوبة سوسية
ـ آمنة براهم
-عامر بن عبد السلام بيوض
-عثمان بن أحمد بالسويسية
-عمر بيوض
-محمد المستيري
-أحمد التركي
-شبيل بن محمد حسن نويرة
شيراز بن مراد

السبت، 23 مايو 2015

بقلم الإعلاميـة الســيــدة الـــدوّ الـــــــقــــــايــــــد: 4 مؤلفات هامة توثق وترصد النضال النسائي التونسي قبل الاستقلال وبعده

تعتبر المناضلة والإعلامية السيدة الدّو القايد من الوجوه النسائية القليلة التي تولّت نشر ما عايشته من أحداث في الفترة التي سبقت الاستقلال فضلا عن اهتمامها بتوثيق شهادات عديد المناضلات التونسيّات اللاتي شاركن في معركة التحريرو وهو جهد هامّ ونادر رصد الحراك النسوي الذي كان قائما في البلاد لكنّه دخل طي النسيان لأسباب مختلفة... ولأنّه لا يمكن أن نغض الطرف عن عن الدور الذي لعبته المرأة التونسية ندا للند مع الرجل فقد ارتأينا، ان نسلّط الضوء في هذا المقال على عدد من منشورات الإعلامية السيدة الدو القايد، وهي مراجع يعتد بها في مجال النضال النسائي التونسي.
ويمكن القول دون شك أنّ السيدة الدوّ القايد تمثل كنزا من الذاكرة الحية بالنظر للكمّ الهائل من الروايات والشهادات والصور والوثائق والتساجيل الصوتية الموجودة بحوزتها..
 نساء ناضلن ضدّ الاستعمار
أوّل هذه الكتب يحمل عنوان «منارات الفجر ـ   تونسيات على درب النضال 1900 ـ 1956» ويتضمن مجموعة شهادات وسير ذاتية لثلة من النساء المناضلات.. ومن بين هؤلاء النسوة نذكر على سيبل الذكر لا الحصر أسماء الرباعي بلخوجة وعائشة باللاّغة وفتحية شاكر وجليلة بوجميل بلحاج وزبيدة بدّة ورفيعة برناز وخديجة بن رابح ومجيدة بوليلة وآمنة حشاد وخديجة الطبال وشريفة فياش وشريفة المسعدي وفاطمة النيفر وغيرهنّ عديدات..
تكمن أهمية العمل التوثيقي الذي قامت به السيدة الدوّ القايد في كونه يؤرخ لحقبة تاريخية لم تحظ بالاهتمام الكافي حيث يتضمن المؤلف أسماء وتواريخ وشهادات نادرة تؤكد الدور الذي لعبته المرأة التونسية خلال النصف الأول من القرن العشرين بهدف تحرير البلاد من المستعمر..
عينة من مؤلفات السيدة الدو القايد
كتاب يرصد مسيرة المناضلة مجيدة بوليلة
أمّا الكتاب الثاني فخصّصته السيدة الدو القايد الى المناضلة مجيدة بوليلة، المرأة الرمز التي لعبت دورا هامّا في حركة التحرير وفي تعليم الفتيات ودافعت عن قضايا المرأة.
انخرطت مجيدة بوليلة وهي من مواليد سنة 1931 بصفاقس في الحزب الحرّ الدستوري وأسّست سنة 1950 شعبة الربض النسائيّة، كما واكبت  بعث أفواج الكشافة للفتيات وساهمت في تأسيس فرع الاتحاد الاسلامي النسائي بصفاقس.
قرّرت مجيدة بوليلة القيام بتظاهرة نسائيّة للتضامن مع الزّعيم الهادي شاكر بعدما حاكمته السلط الفرنسيّة بتهمة عقد اجتماع دون رخصة، وعملت مجيدة بوليلة على مراسلة الزّعماء على غرار بورقيبة والهادي شاكر والمنجي سليم والهادي نويرة داعمة بذلك الحراك النسائي بالجهة.. كما شجعت النساء المناضلات على أخذ الكلمة في الاجتماعات وبرزت ـ إثر ذلك ـ على السّاحة السياسيّة عدة وجوه نسائيّة منهن فطومة النملة وحليمة الشعبوني ووسيلة بن سعيد وغيرهنّ.
كان لمجيدة بوليلة دور حاسم في عمليات المقاومة التي عرفتها البلاد مع مطلع سنة 1952 وقد تمّ التنسيق بين (شعبتي المدينة والربض والاتحاد النسائي الاسلامي) لتنظيم مظاهرة نسائيّة يوم 8 مارس 1952 لتحسيس الرأي العام وكانت المسيرة وفق ما نقلته السيدة الدّو في كتابها ضخمة العدد وطغى عليها الحماس ورفعت فيها شعارات ضدّ المستعمر ومن أجل تحرير البلاد.
وبعد المظاهرة التي اعتقل فيها عدد هام من المناضلات (خديجة شعور ومجيدة كريشان ومبروكة شعور ووسيلة الشعبوني وفاطمة النملة وحليمة الشعبوني ونفيسة الخراط وحميدة الميلادي وعائشة القفال)، استمرّ الاضراب العام في المدينة التي أصبحت تعيش حالة من الغضب والقهر ويوم 26 مارس تمت مداهمة بيت مجيدة بوليلة واعتقالها فنقلت الى محتشد تبرسق وكانت حاملا في شهرها الثاني.
وفي الفترة الأخيرة من حملها اطلق المستعمر سراحها لتتوفّى ساعات بعد وضعها لابنتها الثانية يوم 3 سبتمبر 1952..
ويتضمّن الكتاب الذي خصته السيدة الدوّ لمجيدة بوليلة صورا ومراسلات وتفاصيل هامة عن مسيرة هذه المناضلة التي رحلت بعد أن أعطت للبلاد الكثير..
بشيرة بن مراد ونبيهة بن ميلاد وتوحيدة بن الشيخ وأخريات...
أمّا ثالث هذه الكتب، فهو كتاب "بشيرة بن مراد ونساء رائدات" وهو كتاب سلّطت فيه السيدة الدّو القايد الضوء على مسيرة المناضلة بشيرة بن مراد التي روت فصولا من طفولتها الى غاية تأسيسها سنة 1936 للاتحاد النسائي الاسلامي وعلاقتها بزعماء الحركة الوطنية على غرار  الحبيب بورقيبة والمنجي سليم.. ومما قالته بشيرة بن مراد ان أحداث 9 أفريل 1938 شكلت منعرجا بالنسبة للحراك النسائي «بعد حوادث 9 أفريل، المراة ولات مستعدة خير من قبل، وهذا نقيسوه في احتفالاتنا واجتماعاتنا».
وبيّنت بشيرة بن مراد البعد الاجتماعي والخيري والسياسي الذي اكتساه نشاط الاتحاد النسائي الاسلامي معرّجة على المضايقات التي كانت تتعرّض لها من قبل سلطات الاحتلال فقد استجوبت عديد المرات وتم سجنها سنة 1948 لمدة عشرين يوما فضلا عن ما عاشته بعد الاستقلال من اقصاء وابعاد عن الشأن العام.
كما سلّط الكتاب الضوء على شخصيات نسائيّة أخرى لعبت أدوارا حاسمة في حركة التحرير ومنهنّ المناضلة نبيهة بن ميلاد التي نشطت صلب الاتحاد النسائي الاسلامي قبل ان تنتقل الى اتحاد المرأة التونسية الذي تأسّس سنة 1944، وهو منظّمة مرتبطة بالحزب الشيوعي.. هذا الى جانب الدكتورة توحيدة بن الشّيخ وهي أوّل طبيبة تونسيّة تخرجت سنة 1936.. وقالت توحيدة بن الشيخ في شهادتها: «انّي مدينة لوالدتي بهذا النجاح، فهي امرأة ذكيّة وقفت بجانبي وهي أرملة وحرصت على تعليمي بكل حزم ونجحت».. وفي سنة 1945 كونت الدكتورة جمعية خيريّة أطلقت عليها اسم «دار القماطة التونسية» هدفها مساعدة العائلات الفقيرة في ما يخصّ احتياجات الأطفال والرضع».
كتاب يوثق مؤتمرات الاتحاد الوطني للمرأة التونسية
الكتاب الرابع والأخير الذي سنتوقّف عنده في هذا المقال يحمل عنوان «الاتحاد الوطني للمرأة التونسية ـ الجزء الأول 1956 ـ 1986» وتعرضت فيه الكاتبة السيدة الدوّ القايد الى مسيرة منظمة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية منذ فترة تأسيسه سنتي 1955 و1956 ثم انعقاد مؤتمره الأول سنة 1958 بدار الشغالين والذي انتهى بانتخاب هيئة مركزية ترأستها راضية الحداد وصولا الى المؤتمر الثامن الذي انعقد سنة 1986 بمدينة بنزرت.
وتضمّن الكتاب تغطية للمؤتمرات الثمانية بما فيها الخطابات التي ألقيت بالمناسبة والتقارير المالية والأدبيّة فضلا عن مجموعة من الصور النادرة التي ترصد النشاط النسوي صلب الاتحاد..
وممّا استوقفنا في هذا الكتاب التوثيقي الهام، ما جاء في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الحبيب بورقيبة في افتتاح المؤتمر الثالث للاتحاد سنة 1962 حيث تعرّض بورقيبة الى محاولة الانقلاب التي قادها الأزهر الشرايطي ضدّه قائلا:«على أنّكم تعرفون أنّي لا أخاف الموت فقد أشرفت عليه مرات لا حصر لها على أيدي فرنسا وتحت رصاصها وفي السّجون حيث عانيت المصائب وقسوة الاسمنت، ولكنّي أخاف على هذه الدولة ان تتفكّك وتنخرها الفوضى وتتقاتل هذه الجماعة مع تلك».
ومما جاء أيضا في الكتاب، معطيات قد تفسّر واحدا من أسباب انسحاب بشيرة بن مراد من المشهد النسائي سنة 1955، حيث تساءلت المناضلة اسماء الرباعي قائلة: «بعد الاستقلال، توقف نشاط بشيرة بن مراد وما نعرفش عندها علاقات باهية مع سعيدة ساسي (ابنة اخت بورقيبة) وإلا لا؟» في اشارة للدور الذي قد تكون لعبته هذه الأخيرة لابعاد بعض الوجوه المناضلة». ثم قدمت بشيرة بن مراد شهادتها قائلة: «في 3 أيام، بعثلي الزعيم الحبيب بورقيبة وسألني آش ننوي القيام به، مازلت ما جاوبتش والجماعة تلموا وعملوا هيئة الاتحاد النسائي وغيروا اسم الاتحاد النسائي الاسلامي... ومن وقتها ما اتصل بيّ حدّ من الاتحاد النسائي الجديد وقعدت بقدر نشعر وكأن جميع نساء وبنات واولاد تونس بناتي واولادي.. لو كان ما عملتش هكة راني ضعت»..
السيدة الدّو القايد في كلمات

مناضلة من مواليد سنة 1936 بصفاقس واعلامية متقاعدة من اذاعة صفاقس وكاتبة ومنتجة برامج اذاعيّة، انخرطت في الحراك النسوي والنشاط السياسي بالجهة.. وهي كذلك كاتبة مسرحية وقصصية، عضو اسرة تحرير مجلة المرأة ومراسلتها بالجنوب، عضو عامل بجمعية حقوق المؤلفين، عضو اتحاد الكتاب التونسييين، ورئيسة جمعية محمد الجموسي للموسيقى والفنون ومتحصلة علي عدة أوسمة وشهائد تقدير على المستوى الجهوي والوطني والدولي.
شيراز بن مراد

الثلاثاء، 19 مايو 2015

هذا ما كشفه المتوّجون بجائزة الكومار شكري المبخوت وجمال الجلاصي ونبيل قديش عن رواياتهم

في إطار تظاهرة «ربيع الكتاب»، استضاف صالون ناس الديكاميرون للآداب والفنون المتوّجين الثلاثة بجائزة الكومار لسنة 2015. ومثلّ اللقاء الذي انتظم بشرفة المسرح البلدي ونشطه الباحث في الفلسفة والجماليات عدنان الجدي فرصة كشف خلالها الضيوف الثلاثة شكري المبخوت وجمال الجلاصي ونبيل قديش عن رؤيتهم لعالم الرواية.
شكري المبخوت: الوظيفة الأساسيّة للأدب هي إمتاع القارئ
اعتبر الكاتب شكري المبخوت الحائز على جائزة الكومار الذهبي وكذلك على جائزة البوكر عن رواية «الطلياني» أنّ في مؤلفه جانبا تأمليا حاول فيه ايجاد رابط ومعنى لأحداث مفكّكة. وقال انّه بعد مضي حيز زمني لا بأس به وتوفر مسافة ضرورية عاد الى فترة شبيهة بما نعيشه اليوم من تغيّرات.. وذكر المبخوت انّ أحداث روايته دارت في المناخ السياسي الذي عرفته تونس في صائفة 86 ـ 87، فترة بلبلة شابتها المخاوف والآمال بين التفجيرات والمظاهرات وحالة الرعب التي عاش على وقعها التونسيون مع خريف الزّعيم الحبيب بورقيبة. وأشار المبخوت الى أنّ خطاب 7 نوفمبر كان آنذاك بمثابة المتنفّس وان كانت هناك وقتها مخاوف لدى عدد من المثقّفين.
وأضاف الكاتب انّ روايته ليست سياسية، بل ربما كان الجانب السياسي هو البارز فيها، لكنّها لبست لبوسا تخييلية وانسانيّة وهو ما لا يستطيع المؤرّخ فعله، فبناء الشخصيات كان بناء نفسيا أكثر منه سياسيا ولعل الشغل الشاغل في الرواية ـ دائما وفق المبخوت ـ هو التقاطعات ما بين ماهو اجتماعي وسياسي..
وبيّن المبخوت انّه لا يزعجه أن يقال عن روايته انّها كلاسيكيّة او اشتراكيّة او سياسيّة، فالمهمّ بالنسبة إليه هو «المتعة» وهي وظيفة أساسية للفن الى جانب ما تحمله الرواية من جديد في التصوّر العام والمقاربة.
جمال الجلاصي: روايتي سلطت الضوء على علي بن غذاهم "المصلح المضاد"
ثم تولى الباحث عدنان الجدي تقديم رواية «باي العربان» التي فازت بجائزة لجنة التحكيم في مسابقة الكومار قائلا انّها رواية تطرقت لمسيرة ثائر من ثوار القرن التاسع عشر ألا وهو علي بن غذاهم، معتبرا انها رواية مخاتلة في خاماتها السردية وفي اعادة كتابة المواد التاريخية متخلصا الى صورة أخرى عن علي بن غذاهم حيث ينافس الجانب التخييلي الجانب التاريخي..
ومن جهته قال جمال الجلاصي أن أحمد بن ابي الضياف المؤرخ الرسمي و"كاتب سرّ" الباي شوّه صورة المناضل علي بن غذاهم الذي كان يمثل المصلح المضادّ للموجة الاصلاحيّة الرسمية والتي كانت بمثابة الحركة الفوقية التي لم تمس عمق تونس.
وفي السياق نفسه، اشار جمال الجلاصي الى انّ المجلس الأكبر للباي كان يعدُّ تونسيين إثنين فقط (أحمد بن ابي الضياف وسوسو بيشي) واما الآخرون فهم من الأتراك. وقال جمال الجلاصي انه أراد ان يعود الى ما هو جميل في القرن التاسع عشر رغم تعثراته، فهذا القرن فيه الكثير من الإضاءات وكانت فيه الأجواء الاجتماعية ايجابية على غرار التعايش بين الأديان الثلاثة والطابع السلمي لثورة علي بن غذاهم ضد المجبى.
نبيل قديش: «زهرة عبّاد الشمس» بعيدة كلّ البعد عن الواقعيّة الفجّة
ومن «الطلياني» و«باي العربان» الى رواية «زهرة عبّاد الشمس» للكاتب نبيل قديش والتي حازت جائزة الاكتشاف في مسابقة الكومار.. وقال الباحث عدنان الجدي انّ الرواية تعتمد على الجانب العجائبي الذي وقع استنطاقه انطلاقا من الخامات التونسيّة والخيال الشعبي التونسي..
ومن جهته قال الكاتب نبيل قديش انّه استلهم الفكرة الأساسيّة لروايته من الميثولوجيا الاغريقيّة.. وذكر صاحب رواية «زهرة عبّاد الشمس» انّ مؤلفه بعيد كل البعد عن الرواياتالواقعيّة الفجة ويعكس من خلال شخصيّة البطل «عزازير» زخاف فلسفية وتأملية في علاقة المخلوق بالخالق..
وذكر نبيل قديش انه لم يسقط في روايته في مستنقع الثورة مثل عديد الكتاب وأنّ الروائي بحاجة الى وقت والى مسافة من الأحداث الآنية وإن كان أشار اشارات طفيفة الى الارهاب والى جنودنا البواسل.
شيراز بن مراد

عرض «الزڨلامة» للسعد بن عبد الله: خيمياء موسيقية شعبية من تونس المنسية

«الزڨلامة» (يعني الطبلة) هو عنوان العرض الموسيقي الراقص الذي قدّمه المخرج لسعد بن عبد الله بمشاركة الفنانين رشيدي بلقاسمي والشاب بشير يوم الجمعة 15 ماي بقاعة الريو. عرض إجتمعت فيه عناصر الجسد والصوت والإيقاع لتروي فصولا من «تونسيتنا» ومن «هويتنا الشعبيّة» بكلّ ما تعجّ به من أوجاع ومن حبّ للحياة.
من على ركح طغت عليه العتمة، انبثقت شيئا فشيئا الروايات والأحاسيس والإيقاعات والحركات.. يقرع الزڨلام (الطبال) طبله فيتعالى ذلك الايقاع الذي يسكن في دواخلنا منذ طفولتنا الأولى، ذلك الايقاع الذي طالما سمعناه في أفراحنا فتهيج فينا تلك «الخيمياء» التونسية الشعبيّة المخصوصة، تلك «الخيمياء» التي تتحرر بها الأجساد من قيودها فتنشرح الرّوح وتنفتح المسام على حكايات غرامنا المخفيّة، على قصص عشقنا الممنوع، على حلم الأرض الموعودة التي لم تف بوعودها، على حنان تلك الأم البعيدة، على خيبة تلك الحبيبة الخائنة.
من «قاع خابيتنا» الغنائية التونسية ينهل لسعد بن عبد الله، فيخيط عرضا يعلو فيه الصوت، صوت الزڨلام (الشاب بشير) وطبلته ومعها حركات الرڨاص (رشدي بلقاسمي)، ثلاثية الجسد والصوت والطبل المتجانسة التي تقودنا الى صميم «التخميرة» فتطفو على السطح شذرات من ذاكرتنا الفردية والجماعيّة، تلك التي تحكي الهموم الصغرى والهموم الكبرى، هموم الفرد والبلد.
ومن الأغاني التي جاءت في عرض «الزڨلامة»، نذكر «آمان آمان يالماني» و«الأمريكان» و«دوّر دوّر» وغيرها من المقاطع الموسيقية التي تحيل على ما عاشته البلاد من ويلات زمن الاستعمار، على معاناة الفلاح الذي يُفتكّ منه محصوله ويصبح «خماسا» لدى الأجنبي، على عذابات «الربطيّة»، على جراح العشاق، على الزيتون الذي لم يثمر، على زهر اللوز الذي لم يتفتّح ومع ذلك لا يستسلم الجسد، جسد رشدي بلقاسمي المتحرك المتخمّر المرتعش الذي يفيض طاقة وابتسامة وتعلقا بالحياة.
يرقص بلقاسمي رقصاتنا الشعبية بإيقاعاتها المختلفة، البونوارة والفزاني والعلاجي والعجمي وغيرها ليروي ثراء الريبرتوار التونسي الذي يكاد يندثر بعد أن أصبنا بمحنة «فقدان الذاكرة»، نسينا من نحن وما هي حكاياتنا وأصولنا ومعاناتنا، لكن يبقى هناك أمل ضئيل، حبل رقيق (يظهر في أول مشاهد عرض «الزڨلامة» يشد خصر رشدي بلقاسمي) يربطنا بجذورنا الأولى ويمنعنا من أن نسقط في فخّ النسيان.
طبلة، رقصة، وشم، إيقاعات تونسية، صوت مؤثر، ضوء خافت، قارورة بوخة هي العناصر الفنية التي بنى عليها لسعد بن عبد الله عرضه ليرسم لوحة تونسية شعبية مميّزة حضر فيها البلد بعبقه الخاص، بوجيعة ناسه وبجمال روحه في حراك لا ينقطع، لا ينضب، لا يملّ ولا يكلّ، فهذه هي ملامح تونس التي غالبا ما ننساها!
تنطلق عروض «الزڨلامة» بقاعة الريو بالعاصمة أيام 22 و23 و24 ماي 2015.
شيراز بن مراد

الثلاثاء، 12 مايو 2015

«يا له من ربيع!» لحفيز ضو وعائشة مبارك: آه، لو لم تكن هذه الأجساد موجودة!

لو لم تكن هذه الأجساد موجودة، هل كانت الثورة تتحقّق؟ من كان لِيحمل الكلمة، من كان يُطلقُ الصرخة؟ من كان لِيدفع الحواجز ويحتلّ السّاحات؟ أليست هذه الأجساد.. هذا البحر المتموّج من الأجساد التي تدفقت كالسيل على اليابسة في الشوارع لتقول كلمتها ولتعبر عما يختلج في أعماقها..
حول هذا الجسد الذي غزا الفضاء العام بعد عقود من الغياب والتغييب، تمحورت أطوار عرض «يا له من ربيع!» (بالفرنسية Sacré Printemps) لحفيز ضو وعائشة مبارك، والذي قُدم في اختتام تظاهرة «تونس عاصمة للرقص 2015» يوم السبت 2 على ركح المسرح البلدي بالعاصمة.
رؤية إستثنائية تلك التي ألقاها الثنائي حفيز وعائشة على «الربيع التونسي»، رؤية الفنان الذي يرصد الأحداث السياسية والاجتماعية بطريقة مختلفة عن سائر الناس فيترجمها ركحيا وجماليا مقدما قراءة تخاطب الروح وتسمو عن الصغائر والحسابات الضيقة.
يصدح في بداية العرض صوت إمرأة، صوت الفنانة سنيا مبارك منشدا الحرية والربيع قبل أن يفسح المجال لـ"بطل" العرض آلا وهو الجسد... تتسلل الأجساد المتحركة شيئا فشيئا بين الأجساد الجامدة، فتملأ الركح حياة.. شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، تتسرّب الحركة إلى الساحات ومعها ترتسم ملامح حياة جديدة، أجساد تهتف، تنادي، تطالب بالرحيل.. أجساد هائجة، مائجة، غاضبة، موجوعة، منفعلة في حراك أولي يقطع مع سنوات من الجمود..
يرسم حفيز ضو وعائشة مبارك في عرضهما الراقص «يا له من ربيع!» ملامح ربيع بشري هائل، إرتسامات انفجار جسدي مُدو، فوضى الحواس المتهافتة على الحياة، أطياف كتل بشرية تتنقل هنا وهناك كما لم تتنقل من قبل، تعابير جسمانية ثائرة في فضاء عام جديد.. معالم فضاء تونسي بمقومات مستحدثة فرضتها أحداث سياسية مستجدة..
يجري حفيز ضو وعائشة مبارك والفريق الراقص الذي يصاحبهما على الركح، يجري الجمع، يُحلّق الجمع، يرقص الجمع، يتمادى في الحراك الى حدّ الانهاك، الى حدّ الموت، فاليوم وقبل الغد يجب على الجسد أن يعبر، يجب على الجسد أن يلفظ ما بداخله من قمع ومن إقصاء ومن حرمان ليقول كلمته.. الكلمة التي انتزعت منه والتي سلبت من ذهنه وفمه.. مجموعات أو فرادى، رجالا أو نساء، عاقلين أو مجانين، آملين أو مقهورين، تحتل الاجساد «الفضاء الأكبر» لتكتشف حجمها الحقيقي وقدرتها على التمركز والتعبير..
كالسيل الذي لا يمكن أن يتوقف، كالمجنون الذي يكشف جنونه، كالموجوع الذي يقول وجعه، كالسعيد الذي يُشهر فرحه، كالسائل الذي يعدد مطالبه، كالثائر الذي يصرخ غضبه، تتناسل الحركات لتروي فصولا من حكاية «ربيعنا التونسي»، حكاية الجسد قبل أيّ شيء آخر، هذا العابر الهش والقوي في آن والذي لولاه لما كانت هناك ثورة..
لوحة بعد لوحة، يُنطِق الثنائي حفيز ضو وعائشة مبارك هذا الجسد ليروي الغضب والآمال، ثم الانتصارات الصغيرة وبعدها الخيبات وعودة الامل مجدّدا، كل ذلك عبر لغة الجسد وحدها وهو التحدي الذي توفّق الثنائي في رفعه بعيدا عن آلاف الكلمات التي قيلت وانسابت وهدرت حتى فقدت مدلولها..
أليس الجسد هو المحرك الأوّل، ذاك الذي تلقى أولى طلقات النار، ذاك الذي تحدى الأسلاك الشائكة، الذي تدفق واندفع في الساحات عندما كانت الكلمات ضبابية والأفكار متباينة.. آه، لو لم يكن هذا الجسد موجودا، حرّا ومندفعا، من كان لِيحمل الكلمة؟
شيراز بن مراد