الثلاثاء، 29 مايو 2012

مستشارو المرزوقي ينتقدون الوزراء ويصفونهم بغير الأكفاء

مازال الغموض -إلى غاية اليوم- يكتنف إقدام ثلاثة من مستشاري الرئيس المنصف المرزوقي على انتقاد الحكومة الحالية ووصف وزرائها بغير الأكفاء.. فهل تحدثوا بإسم الرئيس أسير الصلاحيات المحدودة أم إنّهم عبّروا عن آراء شخصية لا تلزم سواهم؟
ويذكر أنّ الناطق الرسمي بإسم رئاسة الجمهورية عدنان منصر كان بادر بنشر مقال على موقع نواة الالكتروني تحت عنوان "حتى لا تحفر الحكومة قبرها وقبر الثورة" وجه فيه سهام نقده إلى الحكومة قائلا: "في موقف شديد التغابي يغفلون أنّ كل ما يرون ويواجهون من مشاكل إنّما هو شبكة مترابطة من المصالح لا يمكن تدميرها إلاّ بكسر نواتها, ونواتها الصلبة هم مجرمو العهد السابق الذين يطلق القضاة النزهاء جدا سراحهم زرافات ووحدانا".. ثم يصف منصر أحد الوزراء الأكثر نفوذا في الحكومة ـ والعبارة له ـ بـ"المتخوّف من أيّة خطوة لطرد مسؤولين فاسدين".. كما يعتبر أنّ طريقة تفكير بعض من هم في الحكم بخصوص مجرمي العهد السابق "مصيبة", إذ يرى هذا المستشار"أنّ نجاح الثورة مرتبط ارتباطا وثيقا بإزاحة كاملة لمجرمي العهد السابق من الحياة العامة ولو أدى ذلك إلى بعض الظلم".
أمّا المستشار الإقتصادي شوقي عبيد, فقد نشر مقالا على صفحته في الفايسبوك انتقد فيه بدوره حكومة حمادي الجبالي قائلا "إنّها تتقدّم ببطء شديد" وعزا ذلك إلى "غياب مخطط عمل لتأهيل القطاع البنكي وعجز الميزانية التكميلية للدولة عن طمأنة العاطلين عن العمل وتشجيع الاستثمار الخاص".. ودعا عبيد إلى تشكيل فريق حكومي كفء وناجع أو الاستقالة فورا وتقليص عدد الوزارات إلى 13 وزارة والاستغناء عن 15 كتابة دولة معتبرا أنّ الحكومة الحالية تفتقر الى الكفاءة وخص بالذكر وزراء وجب تعويضهم ومن بينهم الشخاري وبالطيب والديماسي... كما طالب عبيد بإقالة محافظ البنك المركزي وتعويضه بآخر يكون "إطارا ساميا نزيها ومستقلا"..

وبعد منصر وعبيد، نشر المستشار أيوب المسعودي على موقعه الشخصي على الشبكة العنكبوتية مقالا عبر فيه عن شكوكه في قدرات الحكومة  متساءلا "عما إذا كانت النخب الجديدة التي أتت بها الثورة في تونس إلى سدّة الحكم ستعيد انتاج أخطاء وعيوب أسلافها... في استنساخ لمنوال تنموي فاشل لفظته البلاد والعباد"؟
ولاحظ أيوب المسعودي ـ وهو مستشار إعلامي ـ أنّ الترويكا أمام خيارين اثنين: "إمّا أن تلعب دورها كحكومة ثورية وإمّا أن تفوّت هذا النسق الثوري وتفوّت فرصة دخولها الى التاريخ".. وفي هذا اعتراف ضمني بأنّ الحكومة لم توفق في إرضاء مطالب الجماهير التي أتت بها الى الحكم.
ومن ناحية أخرى طالب المسعودي بإقالة محافظ البنك المركزي و"تعيين خليفة له مشهود له بالكفاءة وخاصة بالولاء للوطن لا غير" ذاكرا أنّ "البنك المركزي أصبح الممثل المحلي للمصالح الرأسمالية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) التي تحوم حول تونس الثورة كالنسور".
وهكذا يتضح أنّ عددا من مستشاري منصف المرزوقي غير راضين عن أداء حكومة حمادي الجبالي معتبرين إيّاها حكومة غير ثوريّة ولم تستجب لمتطلبات الثورة سواء كان ذلك على مستوى محاسبة الفاسدين أو على مستوى المبادرات الاقتصادية.
ومن حق الملاحظ أن يتساءل هل تكون كل هذه المواقف والآراء للمنصف المرزوقي نفسه وقد إرتأى بحكم موقعه وانتمائه للحلف الثلاثي تسريبها عبر قنواته الخاصة وهم بعض مستشاريه, أم أن ما نشر إنما يعبرعن مواقف شخصية هدفها الضغط على حكومة تسير في ضبابية مطلقة ولم تعد قادرة على رؤية اتجاه إبرة بوصلتها؟

شيراز بن مراد

حكومة تحفر قبرها بيدها

نشر منذ أيام الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية عدنان منصر مقالا عنونه: "حتى لا تحفر الحكومة قبرها وقبر الثورة".. ويبدو من خلال هذا العنوان أنّ عدنان منصرتجاوزته الأحداث اذ تؤكد عدة مؤشرات -وممّا لا يدع إليه أي شك- أنّ الحكومة بدأت فعلا في حفر قبرها بيدها.
ولعل أكبر دليل على انطلاق الحكومة في عملية الحفرهذه
، هو صمتها على الهجمة السلفية التي تتعرض لها البلاد من شمالها الى جنوبها، وسلبيتها ازاء ما يحدث من تجاوزات اتسمت باستعمال العنف وبحرق المقرات والتعدي على الأملاك العامة والخاصة، الشيء الذي دفع بالاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسي الى إصدار بيان دعا فيه المنتسبين للمؤسسة الأمنية الى مواصلة العمل رغم التضحيات وتجاهل أصحاب القرار السياسي، مطالبا بإصدار أوامر ومراسيم تبيح استعمال جميع الوسائل الردعية من أجل وضع حدّ للفوضى وتجاوز القانون.
وقد رافق هذا الصمت المشين صمت آخر أكثر خطورة لم نتوقعه من قبل "ديمقراطيين" وحقوقيين توليا مناصب قيادية في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وأقصد الرئيس المنصف المرزوقي و رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر اللذين ابتلعا السكين بدمها وقد يكون ذلك خوفا على كرسييهما، أفيعقل آلا يبادرا حتى باستنكار ما حصل من خروقات؟
ومن المؤشرات التي تدل بشكل قاطع على أنّنا لا نسلك الطريق السليم اقتصاديا
، هو تخفيض وكالة «ستندار أند بورز» لترقيم تونس الائتماني بنقطتين ممّا يدخل بلدنا في خانة البلدان التي لا يؤتمن فيها الإقراض، وقد بررت الوكالة قرارها هذا بضبابية المشهد السياسي وبضعف المؤشرات التي تدل على إمكانية نهوض اقتصادي.
وإلى جانب هاتين المعضلتين اللتين لم تحسن الحكومة التعامل معهما -أي الملف السلفي والملف الاقتصادي بما فيه من مشاكل بطالة ونمو واستثمار-
، نسجل بأسف شديد محاولة الحكومة إحكام قبضتها على الإعلام وتهديدها ببيع التلفزة الوطنية في خطوة استنكرها كلّ العقلاء، فضلا عن رفضها تفعيل المرسومين 115 و116 وإنشاء هيئة عليا للإعلام السمعي البصري بما من شأنه أن يساهم في تأمين استقلالية القطاع الإعلامي، وكل هذا يؤكد على هواية في التصرف السياسي تجعلنا نقترب كل يوم أكثر من شفا الهاوية..
وزارة العدل ساهمت هي كذلك في تشويش المشهد العام بعد أن قدمت مشروعا لتنظيم الهيئة الوقتية للقضاء العدلي وصفه القضاة بالكارثي معتبرين انه لا يستجيب للمعايير الدولية لاستقلال القضاء حيث يضع السلطة القضائية تحت إمرة السلطتين التنفيذية وكذلك التشريعية (المجلس التأسيسي), وهو ما دفع سلك القضاة للتلويح بالاضراب.
  كما لاننسى ملف الحوض المنجمي الذي لم تحسن الحكومة التصرف فيه وهو الذي يتطلب إجراءات خاصة سواء كان ذلك على المستوى التشغيلي أو الصحي أو البنية التحتية..
للأسف الشديد لم تتمكن الحكومة من إعطاء إشارات قوية لتهدئة الأوضاع الأمنية  والاجتماعية والاقتصادية، ويمكن القول إنّها فشلت بامتياز في الاستجابة لمطالب الثورة التونسية حتى أضحت الجملة التي يتناقلها العديد منا هي "البلاد داخلة في حيط".
 ولن نذيع سرّا إذا قلنا إنّ تلكؤ الحكومة في التعامل مع الملف السياسي (عدم تحديد آجال واضحة لإنهاء عملية صياغة الدستور وموعد الانتخابات القادمة وتفعيل الهيئة المستقلة للانتخابات) يبعدنا أشواطا عن ضوابط الانتقال الديمقراطي الجدي..

 كل هذه قرائن تحملنا على التساؤل عن جدية حكومة الترويكا ( الجبالي وبن جعفر والمرزوقي) في التعاطي مع المشاكل التي تعاني منها البلاد، فإذا كانت عاجزة عن المضي بنا قدما نحو الاستقرار والأمن والاستثمار والتشغيل واحترام الحريات والحقوق فلترفع يدها عن تونس ولتفسح المجال للكفاءات الحقيقية التي يمكن أن تضعنا على السكة مجددا على الأقل اقتصاديا وأمنيا.. فتونس بحاجة إلى من يخرجها من عنق الزجاجة والا انزلقت في ما قد لا تحمد عقباه..
شيراز بن مراد

الثلاثاء، 22 مايو 2012

فيلم "Fausse note" لمجدي السميري: غابت القضية ونجحت التقنيات السينمائية

دعينا خلال الأسبوع الفارط لمشاهدة العرض الأول لفيلم «Fausse note» الذي أنجزه المخرج الشاب مجدي السميري على حسابه الخاص.. ويمكن القول إن في هذه الخطوة الجريئة، أي إنجاز فيلم طويل بتمويل ذاتي دون دعم، مجازفة سينمائية ومادية وحتى شخصية تحسب لصاحبها إذ أنّها ترجمان عزيمة وعن إرادة لا تهاب الصعوبات بل تواجهها وتتحداها، وهي الفكرة التي عبّر عنها مجدي السميري ـ الذي عرف من خلال دور الميكانيكي في مسلسل «نجوم الليل»ـ عندما قال إنه أراد أن يبرهن أن جيله قادر على تقديم منتوج سينمائي ناجح.. 
ولئن توفق المخرج الشاب الذي لا يتجاوز عمره 28 سنة في تقديم فيلم ناجح على المستوى التقني لن نبالغ اذا قلنا أنه يضاهي في جودته عدة أفلام أجنبية، وذلك بالنظر الى الحرفية في التعامل مع الكاميرا وأيضا على مستوى إدارة الممثلين واختيار الديكور، فإن نقطة ضعف الفيلم تكمن ـ حسب رأينا ـ في غياب «قضية» يدافع عنها الفيلم، فما الذي شغل ذهن مجدي سميري وهو يكتب سيناريو فيلمه؟ هل كان يطمح لكتابة نص بوليسي فقط أم أن هناك قضايا سعى الى طرحها على غرار استفحال العنف أو جنون العظمة أو سلطة المال؟
لقد عجزنا حقا عن الاهتداء الى «قضية» تحمل الفيلم وتدفعه الى الأمام وذلك رغم حبكة السيناريو، ورغم تعاطفنا مع قصة «الحب» التي جمعت البطلين (فارس بلحسن ونجلاء بن عبد الله).. وقد تسبب هذا النقص في إحداث نشاز على مستوى الطرح الكلي للشريط، فبقدر ما تفاعلنا مع القصة ومع الأحداث ومع طريقة التصوير
، بقينا على ظمئنا في ما يخصّ «محرّك» الفيلم أو «وقوده» الحيوي الذي يعطي روحا وبعدا رمزيا لمضمونه.. ويروي شريط «Fausse note» قصّة عرّاب (لطفي الدزيري) يخطط لسرقة رجل أعمال مغربي ثري فيجنّد مجموعة من الشبان (ظافر العابدين ومحمد الداهش) للإيقاع بمهدي (فارس بلحسن) ـ الذي يجمعه شبه كبيربرجل الأعمال ـ لينفذ مخططه الجهنمي.. وفي الأثناء يقع مهدي في حبّ (نجلاء بن عبد الله) ابنة لطفي الدزيري لترتفع وتيرة التشويق تماشيا مع الديناميكية التي أرادها مجدي المسيري لفيلمه.. دون أن ننسى الدور الكوميدي الذي لعبه لطفي العبدلي، ولو أن نهايته كانت مأسوية..
لقد شدتنا في «Fausse note» الروح الشبابية المتعطشة لسينما سريعة النسق تشبه الواقع الذي نعيش فيه بنبضه الموتور وبمفاجآته المتعددة فضلا عن الجانب التقني المميّز والذي بدا واضحا أن مجدي السميري سهر على إنجاحه..
نرجو التوفيق لمجدي السميري في مسيرته السينمائية على ألا ينسى أن الفنان هو قلب المجتمع النابض وحامل قضاياه وأحلامه وأوجاعه، ومن هذا المنطلق عليه أن يصدع بما يخالجه من هموم في القالب الفني الذي يرتئيه..

شيراز بن مراد

الاثنين، 21 مايو 2012

إلا السياسة

اتصلت منذ أيّام بأحد الأصدقاء لأستفسره حول موضوع ما، لكنه بمجرد أن رفع سمّاعة هاتفه اشترط عليّ أن أحدّثه في أيّ موضوع ما عدا السياسة! فوجئت بشرطه الغريب بعد أن أصبحنا نصحو وننام على أخبار السياسة وبعد أن أضحت المادّة السياسية حديث الخبير وحتى الجاهل بالشأن السياسي..
سألته عن دوافع موقفه هذا، فأكد لي أنّ عدّة عوامل أدت به الى مقاطعة الأخبار السياسيّة ومنها انقسام المجتمع ـ بعد أن تعرّفنا على نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 ـ الى صنفين صنف محافظ ومتديّن صوّت لحركة النهضة وصنف تحرّري وتقدّمي صوّت لأحزاب المعارضة, وهكذا أصبح كل طرف يعادي الآخر ولا يعترف بحقّه في الاختلاف وكأنّ هناك ناسا أفضل من ناس.. ثم نسينا أو بالاحرى تناسينا مشاكلنا ومطالب الثورة لنغلب انتماءنا الحزبي ولنرفع رايات وهميّة لن تنفع أي طرف منّا..
ويواصل محدّثي كلامه قائلا: "أمّا العامل الثاني الذي نفّرني من السياسة فهو محاولة بعض قياديي حزب النهضة ـ عن وعي أو دون وعي ـ الهيمنة على الشأن العام سواء كان ذلك في المجلس التأسيسي أو في بعض المرافق الإداريّة من ولايات ومعتمديات  ومؤسسات عمومية حتى بتنا متخوّفين من إعادة افراز آليات النظام القديم الذي كان يحكم قبضته على كل مفاصل الدولة".
وبعد النهضة، وجّه محدّثي سهامه الى المعارضة فقال: "أمّا المعارضة فحدث ولا حرج، كنّا قبل الثورة نعرف الضّعوظات والتضييقات التي تمارس عليها، أمّا اليوم وبعد أن زالت العراقيل، أين هي؟ ولماذا لم تنزل إلى الميدان؟ والأدهى من ذلك أنّها لم تستخلص العبرة من فشلها في الانتخابات الفارطة بل هي مستمرة في التشتّت والانقسام ارضاء لنرجسية بعض قيادييها"..
وأضاف صديقنا المحبط: "لن أبالغ ان قلت لك انّ دمي يصبح يغلي كماء المرجل كلّما تابعت برنامجا حواريا يتراشق فيه الحاضرون بالتهم متناسين أنّنا في حالة بناء وانّ الهدم والتنافر لن ينفعانا ولن يعينانا على ترميم انهيارات الماضي وتشييد بناءات المستقبل". وجدت محدّثي محقّا في تحليله، فلا الحكومة ولا المعارضة تحلتا بنظرة متعقّلة وحكيمة بل ان كل منهما ماض في اخطاء الماضي القريب وكأنّه لا يحقّ لنا كونسيين أن ننعم بممارسة سياسة سليمة تختلف فيها الآراء دون تعصّب ولا تصادم.

شيراز بن مراد

الخميس، 17 مايو 2012

المنتج محمد علي بن حمراء: «هل نضطر إلى الدعارة السينمائية لإنجاز أفلامنا؟!»

بحرقة واضحة على ما يكابد السينمائيون التونسيون من صعوبات وعراقيل ومعوقات، تحدث المنتج الشاب محمد علي بن حمراء صاحب شركة «بولي موفي الدولية للانتاج» في الندوة الصحفية التي عقدها توازيا مع العرض الأول لفيلم «ليلة بدر» للمخرج مهدي هميلي..
فقد أشار بن حمراء إلى عدد من العوامل التي تثبط عزائم المنتجين والمخرجين، منها معضلة الدعم وندرة التمويلات المتأتية من الخواص وغياب منظومة جبائية تساعد على تطور القطاع الثقافي والسينمائي بالخصوص.
فبخصوص معضلة الدّعم، صرّح بن حمراء أنّ مشكلة وزارة الثقافة تتمثل في أنّها «تساعد وتعطل في الوقت نفسه».. ولكي يوضح فكرته ذكر أنّه حصل ـ على سبيل المثال ـ على دعم وزاري بقيمة 340 ألف دينار (35 ٪ من قيمة إنجاز الفيلم) لانتاج فيلم «حورية» غير أنّه مطالب بالبحث عن تمويلات إضافية بقيمة 600 مليون (65 ٪ من القيمة المتبقية) من مصادر وصناديق أخرى، وإن لم يجدها فإنّ الدعم المقدّم يبقى افتراضيا.. 

وتساءل هذا المنتج بسخط غير خاف: «هل نضطر إلى الدّعارة السينمائية لإنجاز أفلامنا؟ أليست هذه دعارة مقنعة؟ إنّ ما يحدث اليوم غير معقول بالمرّة ويتطلب إعادة النظر في طريقة التعامل (من خلال صرف مبالغ مسبقة) حتى تسهل مهمة السينمائي ويتمكن من المساهمة في خلق حركية سينمائية حقيقية».
ومن جهة أخرى ذكر بن حمراء أنّه التقى المدير العام للتلفزة التونسية عدنان خذر الذي أكّد له أنّه لاتوجد أموال لدعم صناعة الأفلام في حين أنّ القانون يفرض تخصيص نسبة مائوية من ميزانية التلفزة لدعم السينما التونسية.
أمّا في ما يتعلّق بندرة التمويلات المتأتية من الخواص فأشار المتحدث إلى أنّه لم يلق أي تجاوب من الشركات الخاصة التي ترفض بل «تخشى» دعم السينما في حين أنّ هذه الأخيرة تمثل أفضل درع اجتماعي ضدّ كلّ أنواع التعصب الفكري...
ورغم العوائق وغياب التشجيعات، أشار محمد علي بن حمراء إلى مشاركة مؤسسته في مهرجان كان السينمائي بفرنسا الذي ستنطلق دورته الخامسة والستون يوم 16 ماي الجاري حيث سيعرض فيلم «ليلة بدر» للمخرج مهدي هميلي (وهو من انتاج شركته) في «خانة الأشرطة القصيرة» بما سيوّفر له إمكانات متعددة للمشاركة في مهرجانات أخرى، كما ستشارك الشركة في «شبكة المنتجين» من خلال مشروعي فيلم «حورية» لمهدي هميلي و«شد مشومك» لمجدي لخضر، وتسمح مثل هذه المشاركة بلقاء ممولين من مختلف أنحاء العالم بما قد يفتح أبواب استكمال الميزانية المطلوبة لانجاز الشريطين. وأمّا الحضور الثالث فيتمثل في اختيارمشروع فيلم «شد مشومك» في إطار «La fabrique des cinémas du monde» بعدما تمّ انتقاءه ضمن مجموعة 10 أفلام (من أًصل 150) ويساعد هذا الجناح على تجسيم أول أو ثاني مشروع فيلم طويل.
 

شيراز بن مراد

الأربعاء، 16 مايو 2012

عندما تخرج الهموم من أرحام الرسوم

من الأعمال الفنّية ما يستوقفك لقدرته على نقل اللحظة الراهنة بما فيها من خصوصيات..
وفي المدة الأخيرة سنحت لنا فرصة زيارة معرض «سياسيّات» الذي يقام بالمركز الوطني للفنون الحيّة بمشاركة ثلة من الفنانين (نضال الشامخ وايمان شتوان وفخري الغزال وماهر قناوي واسماعيل وابراهيم ماطوس وعاطف معطا الله) اجتمعوا حول محور «السياسة»، فعبّر كل منهم عمّا يخالج داخله من أحاسيس ورؤى للوضع الحالي
.
فهذه الفنّانة ايمان شتوان «أنجبت» رضيعا مشوّه الخلقة على رأسه تاج في ايحاء للديمقراطية التونسية الوليدة التي مازالت لم تكتمل بعد لكنها تجرأت على وضع تاج من ذهب على رأسها متناسية انّ البناء الديمقراطي يتطلب ردحا من الزمن ولا ينبغي المسارعة بتتويجه.. 

وهذا ابراهيم ماطوس يرسم ثلاث جماجم (تحمل اسم «راس مشوشط») في اشارة الى الحالة التي أصبح عليها عديد التونسيين بعد أن «احترقت» اذهانهم بالتفكير في حالة البلاد.. وأما عاطف معطا الله فقد رسم لوحة تظهر فيها حبات الثلج وهي تتساقط على أحد المواطنين تعبيرا عن حالة الانكماش والبرود التي تمرّ بها البلاد في انتظار شمس قد تأتي بأشعّتها الدافئة المشرقة.. 
وذاك نضال الشّامخ يقدم رسوما جاءت معبّرة بمضمونها الرمزي المتعلق بالشهداء وبسياسيينا الجدد، وقد شدّنا بالخصوص رسمه الرّابع الذي عرض فيه نظرته لفصول الدستور, فالفصل الأول يتعلق بطريقة استعمال «الماتراك»، بينما يستعرض الفصل الثاني مكوّنات بندقية رشاشة، ويتمثل الفاصل الثالث في نتفة شعر يبدو أنّ أحدهم اقتلعها من رأسه بعد أن ضاق ذرعه بالتأخير الحاصل في صياغة الدستور, ونأتي الى الفصل الرّابعة وهو بمثابة عظام فخذ فقدت شحمها ولحمها بعد ان غلت المعيشة وأضحت بعض الخضر مادّة كمالية لا يقدر عليها البسطاء.. الى غيرها من اللوحات المميزة والمعبّرة عن رؤية ناقدة للوضع السياسي بالبلاد..
ـ معرض «سياسيّات» يتواصل بالمركز الوطني للفنون الحيّة الى غاية يوم 10 جوان
.

شيراز بن مراد

الثلاثاء، 15 مايو 2012

«ليلة بدر» لمهدي هميلي: محاولة للقبض على الهشاشة الكامنة فينا

للمرّة الثانية على التوالي اختار المخرج مهدي هميلي ان ينجز فيلما بالأبيض والأسود وكأنّهما اللونان الوحيدان اللذان يلائمان شخصيّة أبطاله.. فهم يعيشون على حافّة الحياة وعلى هامش المدينة، ومن ثمّة ارتأى أن يكسيهم في فيلم "ليلة بدر" -الذي عرض يوم الجمعة الفارط بقاعة الفن السابع- ألوانا أخرى, ألوان أشعار بدر شاكر السياب وفرلان واليوارد وألوان مشاعر من ذاق طعم الحب وصار غير قادر على فراق الآخر, وهي ألوان يمكن أن تكون أصدق وأجمل وأقوى من الألوان التي اعتادت أعيننا رؤيتها..
 وعلى امتداد الفيلم، حاول المخرج مهدي هميلي ملامسة شيء من دواخل بطليه اللذين يعانيان ألم الفراق ولوعة البعاد، اذ يروي الشريط قصّة شاعر تونسي مقيم بباريس يقرّر مغادرة عشيقه الشابّ فيليب والعودة إلى أرض الوطن وهو ما يضع البطلين في حالة «ما بين قوسين» يتوقف فيها الوقت أو بالأحرى ينسحب ليترك لهما فسحة لقاء أخير قبل الوداع النّهائي..
وقد بدا لنا أنّ التيمة الأساسيّة التي تطرّق لها الفيلم هي معاناة الأحبّة لحظة الفراق، فهي معاناة تبعثر الكيان وتزرع اليأس والاحباط في النّفوس وهو ما حاول مهدي هيملي اقتفاء أثره طيلة الشريط، كما اقتفى لحظة سعادة التقاء البطلين في الليلة الأخيرة التي جمعتهما ومن خلال رقصة ثنائيّة معبّرة تعانقت فيها أرواحهما بلطافة متحدية موانع وعنف العالم الخارجي..
وبسلاسة أطلق المخرج سهاما في مقتل موضوع يعتبر من التابوهات وهو المثلية الجنسية، ليقول إنّ المشاعر لا تعترف بالجنس ولا بالسنّ ولا بالجنسيّة بل انّ الحبّ والألم والمعاناة والخوف من الضّياع هي مسائل كونيّة تتقاسمها البشريّة جمعاء.. ومن المواضيع الأخرى التي تطرّق إليها الفيلم حرّية الفرد في المجتمعات الأوروبّية مقارنة بحريّته في العالم العربي حيث تتعدّد في ديارنا الممنوعات والتابوهات التي تحدّ من هامش هذه الحرية وهي القضية التي تناولها مهدي هميلي في محاولة لاعلاء راية التحرر بكلّ أصنافه.. كما يثير الفيلم موضوع العودة النهائيّة لأرض الوطن وما يشوبها من معاناة نفسية تجعل المعني بالأمر وكأنّه يرتمي بين أحضان الفراغ، فلا الوطن الذي احتضنه وطنه الحقيقي ولا الوطن الذي سيعود اليه تربطه به وشائج حياة، فما بالك اذا كان هذا الفرد شاعرا ومثليا جنسيا؟
ويتركنا هكذا مهدي هميلي هكذا على شفا السؤال وعلى شفا الحيرة كما الآلاف والملايين من البشر الذين يلفون أنفسهم في مفترقات مصيرية لا يعرفون مآلها..
وفضلا عن هذا، التجأ المخرج الى موسيقى البيانوالذي تماهت ملامسه البيضاء والسوداء مع ألوان الفيلم ومع الإضاءات التي شكلت ركيزة أساسيّة لهذا العمل الفنّي على المستوى الاستيتيكي، اذ تعدّدت «المشاهد ـ اللوحات» المنطوية على جمالية فائقة ومنها بالخصوص تلك التي يظهر فيها وجه البطل «بدر» عن قرب بتجاعيده وبعينيه السوداوين وأنفه المنكفئ وشعره الأبيض الرّمادي.. ويمكن القول إجمالا إنّ الميزة الأولى لفيلم «ليلة بدر» هي الشاعرية التي حرص مهدي هميلي على إبرازها, شاعرية الكلمات وشاعرية الشخصيات وكذلك المواقف والصور في محاولة «للقبض» على هشاشة ساكنة في كياننا.. هشاشة من يٌحب ويُؤثر الفراق في الوقت نفسه.. هشاشة المتذبذب الذي لم يهتد بعد إلى مرفأ الأمان.. هشاشة من قبل الجراح ووخز الأشواك رغم وعيه بآلامها.
ويذكر ان شريط «ليلة بدر» ـ وهو من انتاج شركة «بولي موفي الدولية» ـ سيشارك في مهرجان كان السينمائي في «زاوية الفيلم القصير» انطلاقا من يوم 16 ماي الجاري.

  • شيراز بن مراد