الخميس، 12 مارس 2015

«مدينة النهار الأزلي»: جديد الكاتب هادي ثابت في أدب الخيال العلمي

صدرت منذ أيام قليلة «مدينة النهار الأزلي» وهي رواية من صنف الخيال العلمي للكاتب هادي ثابت الذي اختصّ في هذا الجنس الأدبي، فقد سبق له ان أصدر «غار الجن» و«جبل عليين».. وقال الروائي كمال الرياحي مدير ورشة «بيت الخيال» التي استضافت في لقائها الثالث الكاتب الهادي ثابت بمناسبة صدور روايته الجديدة، انّ تجربة الهادي ثابت في كتابة الخيال العلمي تمثل تجربة رائدة وزاوية مهمّة في المشهد الروائي التونسي.
ومن جهته، أكّد الهادي ثابت انّ أوّل من كتب في الخيال العلمي في تونس يدعى الرزقي الذي كتب سنة 1935 رواية من نوع الخيال العلمي، مضيفا انّ تجربته الشخصيّة في الكتابة انطلقت قبل تقاعده بـ5 سنوات.. وأردف قائلا:«كنت أتعاطى السياسة كمناضل، وغادرتها لأنّ المعارضة السياسيّة لا تعطيك دفعا كافيا» وعلّق ساخرا: «عندما تلتقي السياسة بالأدب لا يمكن ان يكون النتاج الاّ خيالا علميا»، وذكر  ثابت انّ اهتمامه بالخيال العلمي يعود الى الأسئلة التي تشغله أو بالأحرى تسكنه حول مستقبل البشرية وعن امكانية احتلال كواكب أخرى، قائلا:«كان لي خوف ان يقع انفجار سكاني كبير يخلّف تطاحنا بين البشر»..
وبخصوص روايته الأخيرة «مدينة النهار الأزلي» التي جاءت كتكملة لثلاثيته حول كوكب قانيماد، كشف الهادي ثابت انها تروي قصّة حب تجمع ابراهيم هذا «الأرضي المتخلف» وبإمرأة من كوكب قانيماد، فيغوص الثنائي في أرحام الأرض.. يتطهر ابراهيم من كل ما يسكنه من عنف وعقد كراهية فيرتقي الى مستوى إنسان قانيماد ويقطع مع ما كان يربطه  بتاريخ الإنسان القديم بما فيه الدين لتكون الرواية التي صدرت  مؤخرا عن دار«سحر» للنشر والمتوفّرة حاليا بمكتبة الكتاب.
شيراز بن مراد
صورة: فاطمة الزهراء الذيبي

كتاب «نصر حامد أبو زيد: التفكير في وجه التكفير» لكمال الرياحي: حديث حول الحرية في زمن الحظر

المفكّر المصري نصر حامد أبو زيد: "رجل أتته الرّصاصات من الجهات الأربع: من الاسلاميين ومن رجالات السلطة الانتهازيين ومن الشعوب المسكوبة مثل المرق في طناجر الخرافة والميتافيزيقا ومن العدو الرابض هناك بعيدا والذي يحرك الثلاثة السابقين وان كانوا لا يعملون" على حدّ عبارة معين بسيسو.
حول هذا الكاتب الذي يعتبر واحدا من أبرز المفكّرين العرب في مجال فقة اللغة والدراسات الاسلامية، أصدر الكاتب كمال الرياحي عن دار «منشورات كارم الشريف» مؤلفا يحمل عنوان «نصر حامد أبو زيد: التفكير في وجه التكفير». حوار تطرّق فيه أبو زيد الى عدّة مواضيع على غرار تأويل النصوص الدينية والحداثة وتطور الفكر الإسلامي والتعصّب ودور المثقّف في مجتمعات العالم الثالث فضلا عن إشكاليات العقل والنقل، وثنائية «الهوية الإسلامية والمواطنة» ومأساة التعليم ونظرية الاسلام "الواحد المتعدّد".
وعلى سبيل المثال أوضح نصر حامد أبو زيد -الذي غادرنا سنة 2010 بعد إصابته بـفيروس غريب- مفهوم "تأويل النص القرآني" معتبرا أنّ هدف التأويل هو تحقيق الفهم العميق للظاهرة ولذا لا يجب على المؤوّل أن يزعم لنفسه الهيمنة بإدعاء الحقيقة المطلقة، مضيفا أنّ التحرر من سلطة النصوص يجب أن يُفهم بالتركيز على كلمة "سلطة" لا بالتركيز على كلمة "نصوص".
وفي السياق نفسه اعتبر نصر حامد أبو زيد انه لم يرتكب أمرا محظورا عندما نادى بضرورة انجاز منهج لتأويل النصّ القرآني يفتح معنى النص للإجابة عن أسئلة معاصرة قائلا: «لازلت متيقّنا انّ تحقيق اصلاح فكري جوهري في الفضاء العربي الاسلامي غير ممكن دون الدّخول في هذه المناطق. انها محظورة لأنّها تهدد عروشا سياسية واجتماعية وثقافية كثيرة لكنها ضرورية لتحقيق نهضة مستدامة».
لم يغادر الحوار الذي أجراه الرياحي مع أبو زيد "المناطق الحمراء"، فبعد موضوع  "تأويل النص القرآني" الذي يعتبره العديد بمثابة "عش الدبابير" لما فيه من حساسية، تطرق الكاتب الى عملية التكفير والحكم بالردة اللذين صدرا ضدّه سنة 1993 قائلا انّه لا يمكن فهم هذه القصة خارج سياق مناخ الاحتقان السياسي-الثقافي الذي غلّف الأجواء المصرية منذ بداية الثمانينات وساعد مناخ «الفزع الحكومي» من الارهاب في توسيع سلطة الفكر الديني الذي يؤيد النظام ويدين الارهاب بلاغيا.
وفي فصل يحمل عنوان "المثقف والسلطة"، إستجوب الرياحي نصر حامد أبو زيد حول دور المثقف في المجتمعات العربية وعلاقته بالسلطة. فإعتبر المفكر انّ التحدي الحقيقي للمثقّف في مجتمعات العالم الثالث يكمن في انتاج خطاب عميق ومفهوم في نفس الوقت ولا في انتاج خطاب شعبوي يطبطب على عواطف وغرائز الجماهير.. ويضيف ابو زيد انه يجب على المثقف ان يحتفظ لنفسه بمسافة خارج مفاهيم السلطة، وهي مسافة تسمح له بالاستقلال الفكري مشيرا الى انّ منطقة «المحرم» و«اللامفكر فيه» تتسع في ثقافتنا بينما تضيق الى أقصى درجة في الثقافات الغربية.
ومن هذا المنطلق، دعا الرياحي أبو زيد لتقديم قراءة لأسباب انحدار العالم الإسلامي، فإعتبر أبو زيد أنّ مبدأ تتعدد الرؤى فقد ديناميكيته وتحول الى سلاح لمطاردة المفكّرين ومحاكمة ايّ خروج عن ثوابت السلطات العسكرية العشائريّة الديكتاتورية، ولذا نادى ابو زيد بحرث الأرض-القاعدة لكي تتعرض من جديد للشمس والهواء وتتعافى من أمراض التشدد والتطرّف.
وأضاف انّ العلمانية التي تفصل بين الدولة ونظامها السياسي وبين الدين هي وحدها التي يمكن ان تفتح آفاقا للحرية والعقلانيّة وتعدد المعاني: الدين شأن المتدين، ومهمة الدولة ان تضمن حرّية الجميع وتحمي البعض من البغي على البعض بإسم الدين. هذا وفسّر أبو زيد مفهوم «التعصّب» قائلا انّه حالة ذهنية، حالة عقلية فردية او جماعيّة تصبح فيها الذات مصدر الحقيقة ومصدر الفضائل كلّها في حين يكون الآخر هو «الشيطان» أو «السرّ المطلق» لا خير الاّ في إبادته.
واعتبر أبو زيد ان كل شيء ولد مختنقا في مجتمعاتنا بسبب انّ الحداثة الوافدة تمّ تمزيقها اشلاء في الوعي التحديثي، فتمّ تقبّل الشّكل التقني فقط وتم رفض الأساس العلمي للتقنية بكل مكوّناته من عقلانية وعلمانية، ثم تقبل الديمقراطية بدون أساسها وهي حرية الفرد ولم يحدث الفصل بين السلطات لارتباط مفهوم السلطة بمفاهيم قرووسطية مثل «الراعي» و«الحامي».
ويحلّق ابو زيد عاليا عندما يدعوه الرياحي الى موضوع "الصوفية والعقلانية"، فينادي أبو زيد في سياق أزمة ما بعد الحداثة الى اكتشاف مناطق «التجربة الرّوحية» في التراث الانساني، والتي قدّم عنها فكر ابن عربي انضج صياغة لشرح التجربة الروحية في الفكر الاسلامي. وللمهتم برؤية ابو زيد لصوفية ابن عربي ولعقلانية ابن رشد الاطلاع علي هذا المؤلف الهام الذي جاب فيه الرياحي مع أبو زيد في مختلف مدارات المعرفة والفكر.
ومن الرؤى التي إستوقفتنا في كتاب «نصر حامد أبو زيد: التفكير في وجه التكفير» نظرة أبو زيد للإسلام "الواحد المتعدد"، إذ يقول المفكر إنّ العرب الفاتحين حملوا بذورا تم استنباتها في أراض مختلفة، فظهرت شجيرات بطعوم متعددة، انتجت بدورها ثقافات وعلوم ومعارف يصعب نسبها إلى البذور الأولى وحدها.. ويرى أبو زيد أنّ هذا الإسلام "الواحد المتعدد" هو القادر على تخطّي المحن والأزمات ولعلّ أخطر أزمة يمرّ بها الإسلام الآن -وفق نظره- هي محاولة الحفر بحثا عن البذور وقتل التعدد الرائع، ويواصل فكرته قائلا: "أشجار الإسلام المتعدد الثقافات والتأويلات تتعرض لأكبر عملية استئصال للخصوبة في التاريخ".
ويمكن القول إنّ الحوار النهري الذي أجراه الرياحي مع المفكّر ناصر حامد أبو زيد قبل وفاته بأشهر-والذي جاء في قرابة 59 سؤال- تضمن مجموعة من المفاتيح ومن المقاربات والأفكار التي تفتح أبواب التفكير على مصراعيها بعيدا عن كل أشكال الغلو والتضييق. كما يشكل المؤلف مرجعا هاما على ذمة الباحثين الذين يمكن ان يتسلّحوا به اذا ما أرادوا التقدم في حقول اللغة والدين والسلطة.

شيراز بن مراد

الأربعاء، 11 فبراير 2015

«جمل البروطة» لحمزة العوني: بورتريه عنيف موجع من ضواحي تونس

في هذا البلد، تأبى الشمس أن تشرق في وجه كل أبنائها.. يدير القرص الأحمر وجهه لينسدل الليل في وضح النهار.. في هذا البلد يطول الطريق، تتوجع الدواخل وتحبط العزائم، في هذا البلد محكوم عليك بأن تعيش دون أفق، أن تظلّ حبيس حيطان التهميش التي أنجبتك.. ناس كجمل البروطة، يرابطون في مكانهم وأقدامهم مسلسلة دون أية إمكانية للإقلاع وللتحليق.
في إحدى ضواحي العاصمة تونس، وتحديدا بجهة «المحمدية»، نصب المخرج حمزة العوني كاميراه ليصوّر طيلة سنتين حياة الشابين «خيري» و«وشواشة»، شابان غادرا مقاعد الدراسة مبكرا بسبب قسوة ظروف الحياة ليلتحقا بمهنة ترصيف «القرط» في الشاحنات، فيرسم معانتهما، أحلامهما وخيباتهما.
وعلاوة عن بورتريه الشابين، يتجلى في شريط «جمل البروطة» بورتريه بلد اسمه تونس، بلد غني بثرواته الطبيعية بمروجه وسهوله الخضراء. على هذا التناقض الصارخ بين الإحباط والوفرة، يرفع العوني أوتاد شريطه ليقدّم بورتريه متداخل عنيف وموجع لبلد «ضيّقها» على أبنائه حتى باتوا يحلمون بمغادرته. دون هوادة، عبرت الشخصيات عمّا يسكنها من غضب، ودون هداوة نقلت الكاميرا حجم البراكين المشتعلة.
في المحمدية وهي المدينة التي نشأ فيها المخرج حمزة العوني، تعيش عائلات عديدة على الهامش، بلا مرافق دنيا. قد يكون الاب قابعا في السجن وقد يكون فرّ الى ليبيا، وقد يكون الشبان امتهنوا «النطرة والنشل» لتوفير قليل من المال لسدّ الرمق اليومي.
في هذه الاحياء يغيب كل شيء ما عدا الحلم بالهجرة أو الحلم بواقع أفضل، وهذا ما لمسناه في شخصية البطلين «خيري» و«وشواشة» اللذين جسّدا واقع الالاف من الشبان التونسيين في صراعهم ضد الواقع المرير في بلد تعطب فيه المصعد الاجتماعي فبات الخروج من حلقة التهميش المفرغة صعبا إن لم نقل محالا.
ينادي حمزة العوني في فيلمه الوثائقي-الشاعري بإعطاء الفرصة للشباب المهمش، بالاستماع اليه، بعدم إصدار أحكام مسبقة عليه، ففي تونس تسكن الطيبة قلوب المهمشين، صحيح قد يتحوّلون في يوم ما الى نشالين، الى قطاع طرق بحكم قساوة الظروف لكن الطيبة والحلم بحياة لائقة يظلان قائمان وتظل فرص الانقاذ ممكنة، هذه هي رسالة حمزة العوني المبطنة.
تواصل الشاحنة المحملة بالقرط «علف الحياة» سيرها في الليل الحالك بعد أن سهر على شحنها «المعذبون في الأرض». ترافق كاميرا حمزة العوني الشاحنة في ليلها المُتدرج الى الفجر.. ذلك الليل الطويل الذي يحدوه الامل. يظهر «خيري» و«وشواشة» بكلامهما الفج البذيء وبأغانيهما الشعبية المعبّرة فيرويان الظروف والاحلام، الإحباطات والامال، إذ لم يصغ اليهما احد ماعدا كاميرا السينمائي والفنان، ذلك الذي لا يطمع لا في كرسي ولا في مال، بل كلّ همّه أن ينقل ما تحاول أن تحجبه السياسة وخطابات السياسيين.
بلا مساحيق وبلا نفاق، يقدّم حمزة العوني في فيلمه الذي تحصل على عدّة جوائز منها الجائزة الفضية في الدورة 25 لأيام قرطاج السينمائية وجائزة أفضل مخرج في مهرجان أبو ظبي السينمائي، يقدّم بورتريهات صادقة من واقع تونسي كاسح، واقع تضطر فيه بعض النسوة لجمع بقايا القرط الملقى على الطريق بسبب قلة ذات اليد، واقع يدفع بأبنائه لكي يضرموا النار في أجسادهم بعد أن اوصدت في وجههم كل الأبواب هذا إن لم ينتحروا لأن الحياة فقدت طعم الحياة.
قد يُزعج فيلم حمزة العوني البعض بفجاجة ألفاظه ووقاحة شخوصه، لكنه ازعاج مستحب، ازعاج ضروري، انساني حتى يستفيق البعض منا على الواقع المرير للبعض الاخر، حتى يستفيق الساسة من سباتهم، حتى ندفع في اتجاه شيء من العدالة الاجتماعية، حتى لا يظل شق من التونسيين يعيشون على الهامش، هذا ما قاله فيلم «القرط» لحمزة العوني ببساطة وعنف.
-يتواصل عرض فيلم "جمل البروطة" لحمزة العوني بكل من قاعات الكوليزي بتونس، مدار قرطاج ، اميلكار المنار، اقورا المرسى والبالاص سوسة.

شيراز بن مراد

الأربعاء، 28 يناير 2015

فيلم "Hors-je" لمفيدة فضيلة: الأطفال هم الحلّ

متى نلتفت الى صغارنا؟ متى نصغي الى أحلامهم؟ كيف يمكن أن نساعدهم على ترجمة طموحاتهم الى حقيقة؟ تنطلق كاميرا المخرجة مفيدة فضيلة في فيلم "Hors-je" من إحدى الساحات التي تجمّع فيها عدد من تلاميذ حي التضامن الذين لم يتجاوز سنهم الثانية عشرة، فتُصور ملامح براءتهم وعنفوانهم وفضولهم متعقبة أثر «خيط الطفولة النقي» -ذلك الذي لم تطله لا الحسابات ولا الايديولوجيات- ومستدرجة هؤلاء الأطفال الى عالم الحلم، الى "كاروسيل" طفولي تنشرح فيه النفوس وتتزاحم فيه الطاقات.
يدور الخذروف مرارا حول نفسه قبل أن يتوقف، لتنطلق «لعبة الأحلام». تدعو المخرجة مفيدة فضيلة الأطفال الذين صورت معهم شريط «Hors-je» إلى صياغة جملة بسيطة تعبر عن أحلامهم، فيكتب أحدهم «نحب نولي حرّ»، ويدوّن الآخر «نحب نشري موتور»، وتحرّر الأخرى «نحلم باش نتزوج» إلى غيرها من الجمل البسيطة التي تعبر عمّا يخالج صدور هؤلاء الأطفال من أمنيات ورغبات. تجمع مفيدة فضيلة الجذاذات الورقية وتخلطها في وعاء بلوري ثمّ تطلب من الأطفال أن يختاروا جذاذة واحدة وأن يكتبوا ما جاء فيها على باب حديدي كبير.
في تجربة فنية تحمل الكثير من المعاني والدلالات، يكتب الأطفال أحلام أترابهم كما لو كانت أحلامهم الخاصة، يكتبونها بقطع طباشير ملوّنة راسمين دون إدراك «لوحة أحلام الأطفال»، هذه اللوحة التي يجب أن نسعى كلنا الى مشاهدتها، فهي التي تُخفي شيفرة عيشنا المشترك، تلك التي تنادي بالإصغاء إلى الآخر وبالتواصل معه.. فإذا ما أصغينا الى أحلام الأطفال وإذا ما وفّرنا لهم سبل تحقيقها، فقد نكون ساعدناهم على تحقيق ذواتهم بعيدا عن فخاخ العنف والإرهاب التي أصبحت تُلغّم ثنايانا.
 في زمن انحرفت فيه المسارات وأضحى الشباب التونسي يُشكل بارود حروب دامية، تدعو المخرجة مفيدة فضيلة إلى العودة الى الأطفال. فعودهم الطري قابل لتحقيق أجمل الأشياء وأبهاها اذا ما أنصتنا لهم وفتحنا لهم أبواب الأمل، وهو أيضا قابل للانخراط في أبشع السيناريوهات وأعنفها اذا ما فقد أسباب التعلق بالحياة وبجانبها المشرق.
 وبالتوازي مع فكرة "العودة الى الأطفال"، يتضمن الفيلم دعوة صريحة لغرس الثقافة في الأحياء المهمشة تلك التي لا يتوفر فيها لا دور ثقافة ولا مسرح ولا سينما ولا نوادي للأطفال.. فإذا ما غابت الثقافة -بكل ما تعنيه من توفير قيم الانفتاح والتسامح واحترام الآخر- عن أطفال تونس، إستفحلت المخططات الجهنمية، تلك التي تمجد ثقافة الموت والعنف وإقصاء الآخر.
هذا هو التحدي المضاعف الذي دعت إليه مفيدة فضيلة في شريطها القصير «Hors-je»، وهو من انتاج شركة «يول»، فمهما فعلنا، لن نستطيع أن نبني المستقبل إذا ما لم نضع في صدارة اهتمامنا عالم الأطفال وما يتطلبه من عطاء واهتمام. وقد يكون شعار "الأطفال هم الحلّ" من بين الشعارات الهامة التي وجب رفعها في مجتمعنا اليوم. 
يُذكر أنّها ليست المرّة الأولى التي تُشرّك فيها مفيدة فضيلة الأطفال في أعمالها الفنية، فقد سبق أن كان ذلك مع عرض «التونسي الخارق للعادة» الذي قدمته مرارا في شوارع تونس، وهو تمشي فني-إجتماعي ذو أهمية قصوى، فالأطفال هم من يحملون رايات المستقبل، وإذا تجاهلناهم رفعنا الرايات السوداء في وجوهنا من دون أن نشعر.


شيراز بن مراد

الأربعاء، 21 يناير 2015

«سلوان» لليلى طوبال: ذاكرة عروس شامخة في زمن ساقط

امرأة متدفقة كنهر فياض، كشلال مُنساب، كسيل جارف، هكذا كانت ليلى طوبال في مسرحية «سلوان» التي قدمت عرضها الأوّل يوم السبت 17 جانفي 2015 بفضاء التياترو بالعاصمة. طيلة الساعة والنصف من الزمن، أزهرت ليلى طوبال بحديث متشابك عن الوطن والسياسة والحب والصمود، حديث طبع بعطر السلوان، وفاح بعبق حب تونس وبوجيعة ناسها. مزيج من الحب والوجيعة ذلك هو الخيط الرّفيع الذي خاطت به ليلى طوبال عملها المسرحي الجديد «سلوان».
تتصارع الذاكرة في ذهن صاحبة «سلوان» بين ذاكرة مُعطبة وأخرى مُلتهبة. واحدة تنشد السلوان والنسيان لما فيها من هموم وخيبات، وأخرى ملتهبة ترفض التجاهل والنسيان. فلئن عرفت تونس في السنوات الأخيرة أحداثا عصيبة وأياما سوداء، فقد شهدت أيضا حراكا مجتمعيا نادرا نادى بالحقوق وبالحريات وبنبذ العنف، قد تكون تونس نجت بفضله من السقوط في منعطفات الفوضى والإرهاب. 
تظهر ليلى طوبال على الركح مرتدية فستان زفاف. عروس شامخة في زمن ساقط، عروس تنشد الحب والحلم والصمود، عروس تقاوم وتناضل وتنزل إلى الساحات قبل أن تُصاب «بسكتة وطنية»، فعشق الوطن المغدور يسري في هذا الجسد ـ الجذع الذي رمى بعروقه في عمق الأرض التونسية.
تفتح ليلى طوبال كتاب ذاكرة السنوات الأربع الأخيرة، فتتلاطم الأفكار والأحاسيس المختلفة لكن تطفو على السطح بصفة خاصة صور حمراء، صور تراجيدية من اغتيال بلعيد والبراهمي وغيرهما من شهداء الوطن من جنود وأعوان أمن. تتنقل ليلى طوبال بين "صندوق الذاكرة" و"ميكروفون الكلمة" ناثرة هنا وهناك وردا أحمر ولسان حالها يقول إنّ دم المغدورين سيوّرق يوما وردا أحمر يانعا، ورد سيغطي هذه الأرض الطيبة مهما بغى الباغون وهدّد الإرهابيون.
وبلغة التحدي، تنزع ليلى طوبال ثوب العروس الشامخة، لتظهر في ثوب المرأة الغانية. ينبثق حينها فجر أحمر من فستانها المخملي، وتقول بكلّ ما فيها من نسوية مزلزلة: «انا المرا.. أنا الحرّة.. أنا الغولة.. أنا العاهرة... أنا شوكة في حلق إلي يحبوني في تركينة... أنا المرا إلي مُخبية الوطن ما بين القلب والجواجي». خطاب فيه أكثر من رسالة للذين حاولوا طمس حضور المرأة التونسية في الفضاء العام، لأولئك الذين أرادوا لها أن تكون في أسفل الدرك، مجرّد مُكملّة في واقع تونسي سار منذ القدم ضدّ التيار الذي قزّم المرأة وبتر فضاءات تحرّكها.
ومن فصل المرأة، تتحوّل ليلى طوبال إلى السياسة ولحكامها مُوجّهة أصابع الإتهام الى الترويكا ومعبرة عن موقفها الرافض لسياساتها ولتسامحها مع العنف والإرهاب. فهذا الفصل ادمى الوطن وفتح الأبواب للسحل والذبح ولنشاط الجمعيات «الخيرو-إرهابية» سامحا لها بأنّ ترتع في البلاد. تشرب ليلى الموجوعة جرعات من ماء السلوان ثمّ تلتفت الى الجمهور وتقول: «لو نزل بيننا فرويد، لتعقد من كثرة عقدنا»، فالسياسة ليست وحدها مريضة في تونس، المجتمع أيضا يعاني من أمراض متعددة إختزلتها طوبال في مشاهد أبرزت حجم المكبوت وضغط المواضعات الاجتماعية والدينية التي تقيّد حرّيتنا ومشاعرنا ومواقفنا. وفي دفعة أمل أخيرة، تقف ليلى طوبال أمام مصدحها لتنادي بالحلم. «احلموا... احلموا يا ديني...» تصدح العروس حتى تتواصل مسيرة تونس الحرّة وحتى يكف الرصاص وقمع الفكر الحرّ في أرض السيكلمان والياسمين.
وقد ذكّرنا مونودرام «سلوان» الذي أفرد الشهيد شكري بلعيد مقطعا مؤثرا بـ«كتاب السلوان» الذي أصدره سليم دولة سنة 2008 وأهداه الى أخيه سامي الأزهر دولة ذلك الذي «رحل ذات يوم خبز وطني برصاص وطني» خلال أحداث الخبز سنة 1984. قاسم مشترك بين العملين أحدهما مسرحي والآخر أدبي، قاسم يُذكرنا بالقدر التراجيدي الذي يترصد أحرار البلاد وبضرورة أن «لا يفعلها أبناء الوطن بأبناء الوطن، مرّة أخرى» كما يكتب سليم دولة.
تخفق ليلى طوبال في «سلوان» كطائر الخطاف الهش والصامد في نفس الوقت، فتحكي -لأنّ الذاكرة بحاجة الى من يحكيها- فصولا من ربيع تونسي موجوع، ربيع منكوس ولكنه ربيع صامد بنسائه ورجاله الأحرار... فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.

شيراز بن مراد

السبت، 3 يناير 2015

الرسّامة نجاة الذهبي: قالوا لي انّ الفنّ حرية ثمّ اتهموني بتجاوز الحدود


إحتضنت دار الثقافة ابن خلدون مؤخرا معرض «نظرات» للفنانة التشكيلية نجاة الذهبي والذي تمحور حول «الجسد الأنثوي». وقد استضاف صالون «ناس الديكامرون» ابنة المزونة الرسامة نجاة الذهبي للخوض في سرّ اهتمامها برسم الجسد الأنثوي وفي مفهوم حرية الفن بالنسبة لها، فكشفت لنا نجاة عن رؤيتها للجسد الأنثوي فضلا عن المضايقات التي تعرضت لها بسبب ما رأى فيه البعض جرأة وتجاوزا للحدود الاجتماعيّة.. وكان اللقاء الآتي:

أوّل سؤال يتبادر الى الذهن بعد مشاهدة لوحات معرض «نظرات» يتعلق بالمكان الذي نشأت فيه، فما هي الأرض التي خطوت فيها أولى خطواتك؟
ـ أنا ابنة وسط ريفي، ولدت في المزونة من ولاية سيدي بوزيد، وفيها زاولت تعليمي الى غاية الباكالوريا، مسكت القلم وطاوعته في التخطيط منذ أن كنت في الرّابعة من عمري وذلك رغم غياب مفهوم الفن في المنطقة. كانت عائلتي وفيرة العدد، وكانت الثقة المتبادلة من المبادئ الرئيسية التي تصلني بوالدي وبإخوتي الستة، وقد يكون هذا الدفء العائلي وراء نفس الحرية الذي تولّد في أعماقي رغم غياب الظروف الذي تؤهل له.
تمحورت معارضك الفنية الأولى حول «الجسد الأنثوي العاري»، فهل من تفسير لذلك؟
ـ عندما أرسم الجسد الأنثوي العاري، فأنا لا أتحدّث عن المرأة لأنّ المرأة هي مسمى اجتماعي بحت. بالنسبة لي الجسد الأنثوي مادّة ثرية جدّا وأنا أرسم هذا الكائن المتبدل، المتغيّر، المتجانس والمفكّك. ففي كلّ مرّة أقدم بعض الرسومات او التخطيطات، اكتب بالتوازي نصوصا تتعلق على سبيل المثال بنظرة المجتمع الذكوري الذي يرى في المرأة جسدا عاريا. شخصيا لا أرى إيروسية، لا أرى في المرأة جسدا عاريا وأنه يجب عليها ان تغطي قبحها او جمالها.. كلّنا جميلات بطريقة أو بأخرى، وهدفي ليس اثارة الآخر بقدر ما أسعى لرسم جمال رباني تشكيلي.
وهل من فكرة حول التمشي الذي إعتمدته في معرض «نظرات»؟
ـ اعتمدت في أغلب لوحاتي على مبدأ التفكيك والتركيب، وكلّ أنثى صوّرتها إنّما ترمز لنساء معروفات عبر التاريخ: نساء آنقر وماتيس وماني وبيكاسو وديفينشي، كلّهن «موديلات» مقتطعات من التاريخ الفنّي ومركّبة بطريقة جديدة، ويسمّى هذا التمشي بـ«ما بعد التشخيص الحرّ»، وهو تيار فني معاصر.
لكنّك تعرّضت الى بعض المضايقات من قبل أشخاص رفضوا لوحاتك لاعتقادهم أنّها فاضحة؟
ـ صحيح، صدمتني بعض ردود الأفعال، ففي المعرض الثاني الذي قدمته سنة 2012 بقمرت، ذهب بعضهم الى حدّ اتهامي بالشّذوذ بالنظر للجرأة التي وجدوها في لوحاتي، واكتشفت حينها انّني كنت اعيش في وهم وانّه ليس هناك وجود للحرّية. قالوا لي انّ الفنّ حرية ثم اتهموني بتجاوز الحدود!! لقد وجدت نفسي آنذاك أمام خيار صعب فإمّا ان أواصل الرسم بحرية وإمّا أن لا أكون أنا وتصبح نجاة غير موجودة. أنا بنت ريفيّة وايماني بالله لا حدود له، هدفي هو أن أرسم مادّة ثرية بعيدا عن مفاهيم التعرية والفضح في جانبهما السلبي.
عنونت إحدى لوحاتك بـ«حلمات الهجاجل، شافوا خيال يستخايلوه راجل»، فما هو القصد من هذا العنوان؟
ـ الزواج هاجس كل الفتيات، فإذا لم تتزوج إحداهنّ، كان حلمها أن تجد عريسا. وعنوان لوحتي نوع من السخرية إزاء السّذاجة التي تسكننا، فمها كانت ثقافة الأنثى وخلفيتها الاجتماعية، كلّنا نتقاسم هذا الهاجس.
ما هي تأثيراتك الأدبية؟
ـ تستهويني القراءات الأدبيّة، نصوص فرويد ونيتشة. أعشق أحلام مستغانمي، وغادة السمان وغيرهما من الكاتبات. أطالع بقدر ما أرسم، ومازال الجسد الأنثوي يستهويني وسأرسمه مهما كانت العراقيل والعقليات في الوسط العربي والمشرقي خصوصا..أنا فتاة طبيعيّة بقدر ما أنا فنانة في داخلي.. لا أعرف اذا ما كانت لوحاتي تٌعبّر عن الرفض الكامن بداخلي، إذا ما كنت أرسم «ثورة» ضدّ رؤية الآخر الينا.
حاورتها: شيراز بن مراد

فيلم «المراقبة والمعاقبة» لرضا التليلي يكشف حقائق هامة حول ثورة 17 ديسمبر

كشف فيلم «المراقبة والمعاقبة» للمخرج رضا التليلي حقائق هامة حول ثورة 17 ديسمبر.. وجاء في الفيلم الوثائقي الذي عرض بقاعة سينما أميلكار في إطار الدورة الثالثة لمهرجان أفلام حقوق الإنسان أنّ محمد البوعزيزي الذي أطلق الشرارة الأولى لثورة 17 ديسمبر ساهم في الاحتجاجات التي عرفتها سيدي بوزيد منذ 2007.
وقال المحامي خالد عواينية وهو من أبرز الوجوه التي ساهمت في إشعال فتيل الثورة، إنّ أهالي سيدي بوزيد احتجوا مرارا على الظلم المسلّط عليهم وعلى الفساد المستفحل في مختلف مرافق الإدارة. وكان البوعزيزي من بين الوجوه التي رابطت طويلا أمام مقر الولاية التي ترمز للسلطة.
وسلطت كاميرا المخرج رضا التليلي الضوء على قصّة غير معروفة، وهي كيف تمّ افتكاك أرض عرش البوعزيزي من قبل رجل أعمال صفاقسي، وهي أرض فلاحية مساحتها بالهكتارات وكانت قرابة 13 عائلة تستغلها وتعيش من فوائدها.
وذكر صالح البوعزيزي وهو من أقرباء محمد البوعزيزي، أنّ العائلات المنهوبة اقتحمت العقار الموجود بالرقاب ونظمت احتجاجا لاسترجاع أرضها ولكن لا من مجيب.. وهي واقعة أثرت في نفوس عائلة البوعزيزي الموسعة بعد أن حُرمت من مورد رزقها الأساسي.
وقال خالد عواينية إنّ أبناء سيدي بوزيد تضامنوا مع البوعزيزي وثاروا للمطالبة بحياة كريمة، فسيدي بوزيد تعيش تحت خط الفقر والبوعزيزي عبّر عن حالة متساكينها المسحوقين وفق ما جاء على لسان عواينية. وذكّر هذا الأخير بالوقفة الاحتجاجية التي انتظمت يوم 24 ديسمبر 2010 واصفا إيّاها بأوّل وقفة نظمها المحامون في تاريخ الثورة وشارك فيها أبرز محامي سيدي بوزيد ومنهم محمد الجلالي ومحمد منصري وغيرهما.
وقد تزامنت الوقفة مع إطلاق الرصاص على المتظاهرين الذين خرجوا في المسيرة التي شهدتها مدينة منزل بوزيان واستشهد فيها أستاذ الفيزياء محمد العماري بعد أن أصيب بطلق ناري أرداه قتيلا على عين المكان.
وهو أوّل شهيد في ثورة 17 ديسمبر.
وأكد فيلم «المراقبة والمعاقبة» أنّ حادثة إضرام البوعزيزي في نفسه ليست بحالة «تمرد» منعزلة، بل إنّ المنطقة كلّها عرفت تراكما احتجاجيا ومنه اعتصام الرقاب واحتجاج عمال البلدية في منزل بوزيان وهي مطالب ذات بعد اجتماعي وضدّ اختيارات النظام، وقد شهدت الشعارات التي رفعت في مختلف هذه الاحتجاجات ارتفاعا في نسقها من «خبز وماء بن علي لا» إلى «الشعب يريد إسقاط النظام».
وتطرق الفيلم أيضا الى المناضل لزهر الشريطي أصيل منطقة العمرة من ولاية قفصة ولسان حاله يقول إنّ الشرارات الأولى للاحتجاجات والثورات انطلقت من الحوض المنجمي ومن ربوع قفصة وسيدي بوزيد قبل أن يتم إخمادها.
وتضمن الفيلم عدة شهادات معبرة ومنها شهادة المخرج المسرحي عبد الفتاح كمال الذي قال إنّنا في «الدرج الأوّل من الصراع» فالمعركة انطلقت للتو من أجل تونس الحرّة، وكذلك شهادة متساكني «العمران» من ولاية سيدي بوزيد والتي أضرب أهلها عن الطعام للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم الذين زُجوا في السجن لا لشيء إلاّ لأنهم طالبوا بحقهم في التنمية.
ينتهي الفيلم بمشاهد التقطتها كاميرا التليلي من قبر الشهيد محمد البوعزيزي، فيتراءى للمشاهد وكأنّ من في القبر يتحرّك لينادي بمواصلة النضال ورفع التهميش والطغيان على أراض لفّها الظلم والنسيان.

شيراز بن مراد