الخميس، 16 فبراير 2012

«الحي يروّح» لصابر الوسلاتي: فصول من الـمبكي والـمضـحــك

ماهي الصور التي ستبقى راسخة في أذهاننا من الحقبة التي سبقت الثورة؟ هل هي الصورة التي حاول النظام السابق تسويقها عن «بلد الفرح الدائم» أم هي أوراق متداخلة من النفاق السياسي والظلم والحبس والتعذيب؟
في محاولة لإحياء الماضي غير البعيد وتكريما لسجناء الرأي في تونس والعالم العربي (ومنهم نورالدين بن خذر وفتحي بلحاج يحيى وجلبار نقاش)، قدّم المخرج صابر الوسلاتي مسرحية «الحي يروّح» بفضاء التياترو، وهي عبارة عن لوحات راوحت بين فصول من المبكي والمضحك.
فمن المبكي، تلك اللوحات التي نقلت عزلة المساجين (والتي جسدها عمار اللطيفي) في تلك المربعات الضيقة التي خنقت الحريات وقمعت الذات البشرية بتعلة الانتماء إلى حركات سياسية متطرفة، فضلا عن شهادة تلك المرأة (أسماء الوسلاتي) التي قضت ثماني سنوات بأيّامها ولياليها وراء القضبان بتهمة «السعي إلى تخريب البلاد»..
ومن المضحك، شخصية المايسترو (صابر الوسلاتي) التي اختزلت خطاب الأحزاب الكرتونية التي كانت موجودة على الساحة، فإذا به يزايد بأفكار ومقترحات هدفها ذرّ الرماد على العيون والضحك على الذقون وكذلك شخصيتا المستشارين السياسيين (ياسين دويرة ومهدي الكامل) الذين يُمعنان في النفاق السياسي استجداء لمنّة أو لترقية زائفة. أضف إلى ذلك لوحة الآنسة (أميمة بحري) التي استعرضت جوانب من نظام سعى إلى تلميع وجهه الميكيافيلي حتى بات يُروّج للمعتقلات وكأنّها مواقع سياحية!
ولإعطاء لوحاته الشحنة الدرامية المناسبة، اعتمد المخرج على توضيب ركحي مميّز أبرز الأجواء الخانقة التي عاشها عديد المناضلين السياسيين كما وُظف لصالح الكوميديا التراجيدية السياسية التي شارك البعض الآخر في إذكاء نارها.. ولعلّ التوابيت السوداء الثلاثة، التي شكلت الديكور الأساسي لـ«الحيّ يروّح» نجحت في إشاعة رائحة الموت التي كانت قائمة قبل الثورة، موت الفكر وموت الحريّة وموت «أجزاء منا».
«الحي يروّح» جزء من عبارة أطول هي «الحبس كذّاب والحي يروّح»، ويُقصد بها رفع معنويات من حُكم عليهم بالسجن إذ سيأتي حتما يوم يغادرون فيه معتقلاتهم، وهي الصورة التي أراد صابر الوسلاتي طبعها في أذهاننا، فما دامت الحياة متواصلة، فإنّ الأمل قائم..

شيراز بن مراد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق